فهرس الكتاب
ومن هذه الفكرة يبدو أن الشعراء قد أصبحوا مثل الكهنة السذج. ولكن هذه التهمة التي وردت بالقرآن قد لا تستطيع أن تحطم القدرة الشعرية (أو السحرية) ، تحطيمًا كاملًا. ولذا أضاف القرآن تهمة أشد وأقوى عندما ذكر بأن الشعراء يتكلمون بما لا يستطيعون تحقيقه ولذا فإن عملهم وشعرهم ليسا منسجمين وإن من يتبعهم هو في ضلال ولكن ما أراه أهم هو هذه الصلة بين إبليس أو الشيطان والشاعر، كما أن رأي الشاعر الجاهلي في القدر وبحثه عن الحقيقة و المعرفة يذكرنا بما جرى، إلى حد ما، بفاوست غوته الأسطوري، وأخيرًا بالثقافة الفاوستية، هذه الثقافة الخاصة التي ولدت في حضن الثقافة الجرمانية، وهناك وجه آخر لنفس العملة، كما يقال، أي هذه الظاهرة تقول إن الكاهن أو الشاعر أو الإنسان ـ بوجه عام ـ يحصل على المعارف السرية ويبرزها في أماكن الطقوس (وأنا أرى عكاظ والمربد والأسواق الأخرى أماكن للطقوس) ، ويحرك نفوس المستمعين ومن ثم كل شيء ينتهي عند ذلك. ولذا اسمحوا لي بطرح السؤال التالي: لماذا لم تنجب هذه البذرة الفاوستية التي نجدها في بداية الثقافة العربية محاولة اللهاث وراء المعرفة ومحاصيلها؟ ولماذا لم تتحقق الثقافة الفاوستية في مفهومها الأوروبي الحديث؟ وأعتقد أن الجواب الوحيد الذي أستطيع أن أقدمه هنا هو عدم وجود الجو المناسب في الأطراف الأخرى لحياة المجتمع العربي آنذاك، لأن هذه الفكرة الفاوستية ظهرت بشكل مبكر تقريبًا، في المرحلة البدائية من تشكل العقل الإنساني. ولكن هذه الظاهرة ساعدت مساعدة واضحة على ظهور الإسلام كمرحلة أرقى وأعلى في سير الثقافة نحو الأمام كما تمثلت هذه الظاهرة في بداية انتشار الإسلام في"جوع"الأعراب للتعلم أكثر وتوسيع آفاقهم وليعوضوا كل ما لم يعرفوا في جاهليتهم.