فهرس الكتاب

الصفحة 5293 من 23694

ولنتوقف الآن قليلًا عند الفرق الجوهري بين النظريتين العربية والأوروبية تجاه مفهوم صنف الإلهام، وقد يحيرنا هذا الفرق لأننا نجد أن آلهة ما تقف وراء النظرية الأوربية، بينما يقف وراء الشاعر الجاهلي الشيطان نفسه، قبيحًا مطرودًا، مستفزًا. وفي اعتقادي أن هذا الشيطان هو الذي يسمو بهذا الشعر إلى مستوى الإبداع ويجعله شعرًا ماديًا وتشكيل وتكوين نظرية الشعر الواقعي ولأنه كذلك فالقصيدة عند الشاعر الجاهلي تجد حاجة شديدة في سعيها للوصول إلى كشف مكنونات الطبيعة. والقصيدة تمثل، كما هو معروف، شكلًا أدبيًا ممزوجًا (11) ، من ثلاثة أجزاء مختلفة: الجزء الأول منها، الذي نسميه النسيب يشير إلى ميزة أساسية عند الشاعر الجاهلي أو إلى (الموتيف) (MOTIV) الأساسي ـ الحاجة الجامعة إلى الأسفار والبحث عن المجهول والمفقود. ولذا أرى في هذا الجزء، عندما يبحث الشاعر الجاهلي عن حبيبته ويسرد ذكرياته معها ويقف مناجيًا أطلالها، إن هناك رمزًا أصيلًا يسري في عروق الشعر العربي حتى أيامنا هذه. إن"موتيف"الفرار الدائم هو المحرك الحقيقي ليس للشعر الجاهلي فحسب بل وحتى للشعر المعاصر. يصف الشاعر تأبط شرًا في القرن السادس صاحبًا له كان لاهث الشوق للأسفار غير آبه برحاب القفار (وفي رأينا هذا رمز المغفرة) ، والظمأ (رمز المعرفة) والخطر (رمز العقاب) الذي يداهم المسافر عند كل خطوة. ويمكن تتبع مثل أولئك المسافرين والتائهين بين الشعراء (أمثال تأبط شرًا والشنفرى وامرئ القيس) ، من خلال الشعر الجاهلي عامة، كما يمكن ذلك في القرون الوسطى، ولكن بشكل أقل وضوحًا، باستثناء المقامات. ويبدو أن الحضارة الشمسية تغلبت هذه الفترة (القرنين الحادي عشر والثاني عشر) ، على الحضارة القمرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت