فهرس الكتاب
وحتى في أ يامنا هذه نشهد ميول الشعراء إلى الأسفار والتيه وذلك على سبيل المثال من خلال أشعار بدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، وسعدي يوسف، والفيتوري، ويمكننا تلمس هذه الظاهرة في قصص ألف ليلة وليلة، وإن كان الباحثون الأوربيون بشكل خاص يلاحظون تأثير الهنود في ذلك الموضوع، غير أني أعتبر هذا الرأي غير سليم.
والرجل المسافر يحتاج على الدوام إلى أن يعلم مصيره. والمصير عند الشاعر امرئ القيس يعبر عن فضاء رحب الأشواق والعدو خلف ما يفلت من العقل البشري. ويعبر هذا الشاعر عن البشر والمستقبل في شعره بعاملين أحدهما يبني بوعي والآخر يهدم بجهله. ويمكننا الاستنتاج أن الشاعر الجاهلي يتعذب إلى حد ما من أجل كشف مكنونات الفضاء والطبيعة غير أن بعض المستشرقين يصفونه بالمادية ويتهمونه بجفاف الأسلوب وحتى يبدو بالنسبة إليهم مملًا، ناسين أن أي شعر بدائي لا يستطيع أن يتجاوز عصره البدائي، ولكن ذاتية هذا الشعر تجذبنا من جديد عندما نجدها قد تطورت في القرنين 8 ـ 10 إلى الشك الذي اندثر بعد ذلك بسرعة ـ مع شديد الأسف ـ وتحول إلى الخفوت والركود (12) .
بقي فقط الوهج البلاغي وتلاشى النبض الجمالي. ويبدو أن الشعر الكلاسيكي قد وصل إلى نصف العمود الذي يربط الأسفل والأعلى ليأتي الشعر المعاصر ويبدأ صعوده مع هذا العمود إلى أعلاه.