فهرس الكتاب
إن المصير الذي يهتم به شعراء البادية هو مصير متقلب مستتر، ولذا ليس من الغريب أن ينظروا ـ ولو نادرًا ـ خارج شخصياتهم الضعيفة المحدودة التأثير ولذا فإن هؤلاء الشعراء، حسب تقاليد الساميين القدامى وحسب تقاليد حضارات وادي الرافدين، يتطلعون إلى الطبيعة والنجوم للحصول على الأجوبة التي طرحتها روح متسائلة ومتعجبة وعلى سبيل المثال، الشعر المعاصر يواصل هذه"الخبرة"فإن الشاعر السياب كثيرًا ما يتطلع إلى النجوم ولكنه يرمز في شعره بشيء معاكس للنجوم وهو الصدف. ويعني هذا الربط عذاب الإنسان أمام الحقيقة، أي بين النور والظلام، بين التفاؤل والتشاؤم، بين الأسرار والمعرفة. وكان عرب الزمن القديم يؤمنون بأن هبوط النجوم ينبئ بوفاة نبيل أو بولادته. ولكن شعراء القرون الوسطى يحاولون اجتياز هذه الهاوية وعدم الانسجام بين البشر والفضاء عن طريق إهمال هذه المسألة.
ومن خلال هذا البحث السريع أود أن أبين للقارئ أن هذا الإلهام شبه الفاوستي ترك أثرًا مهمًا ليس في الشعر العربي فحسب، وإنما في الثقافة عمومًا بالرغم من أنه لم يستطع أن يؤثر على ظروف هذا العصر البدائي والعصور التي تلته، ولذا كان الإلهام لمدة قصيرة محاولة للبحث عن مقاومة الحقيقة وبث الشكوك (13) ولكنه تحول بمرور القرون، إلى حركة جديدة في الشعر العربي المعاصر (القرن العشرين وبالخصوص منذ الخمسينات) ، عندما أصبح الشعر الحر يبني طرقه الجديدة، مؤكدًا على وجود الإنسان.
الحواشي:
(1) ـ لأن القصيدة بلغت هذه الدرجة من المهارة الشعرية، وخاصة من جانب العروض بحيث أصبح بعض الباحثين يشكون في أصالتها الباكرة مع أن فيليب حتي، المؤرخ الشهير، يضع القصيدة فوق ملاحم هوميروس وعلينا أن نتذكر أن هوميروس كان"مفاجأة كبيرة"، بحد ذاته في ذلك الزمن.
(2) ـ في الأدب الجاهلي، القاهرة 1962، ص 71.
(3) ـ مقدمة ابن خلدون، ج4، القاهرة، ص 1314.