فهرس الكتاب
هـ-وجه كون السياسة -عند الإمام الغزالي- أشرف العلوم، وهذا -في اعتباره- منشأ سمو مكانة من يتكفل بها، وسبب تمجيده.
يقول الإمام الغزالي، في شأو السياسة، ورفعة منزلتها من بين سائر العلوم، ما نصه:"وأشرف أصولها- أي الصناعات- السياسة، بالتأليف والاستصلاح، ولذلك تستدعي هذه الصناعة من الكمال فيمن يتكفل بها، ما لا يستدعيه سائر الصناعات (15) ثم تراه يبين مراتب هذه السياسة، تبعًا لموضوعها ونفعها، ولشخصية من يقوم بها، ويتولى تدبير شؤون الأمة من خلالها، بما يكفل لها الصلاح، والوحدة، والسعادة في دنياها وآخرتها."
على أن مما يلاحظ على أساس تقدير الإمام الغزالي،"للسياسة"أنه يرى أن أُولى وظائفها"تربية المواطن الصالح"وتكوينه نفسيًا على عين القِيم، والمعاني الأخلاقية التي تكفل له الصلاحية"للمواطنة الحقة"في الدنيا، على نحو يوصله إلى الفوز بالسعادة ونعيم الآخرة، مما يُؤذن بأن فقهاء السياسة في الإسلام، لا يعرفون الفصل بين الدنيا والدين، -كما ترى- ولا بين الدنيا والآخرة، ولا بين السياسة -بما هي منهج عملي لتدبير شؤون الأمة، داخلًا وخارجًا- وبين المُثل العليا، والقواعد الأخلاقية فيه، على خلاف ما سنرى في"فلسفة السياسة الوضعية"، حيث فصلت بين الدين والدنيا فصلًا تامًّا، أو بين الكنيسة والدولة، وبين السياسة والأخلاق (16) والقيم الإنسانية.
أما أن أئمة فقهاء السياسة المسلمين، قد استقر تصورهم للفلسفة السياسية في الإسلام على أنها"علم تقويمي"أو"معياري"فذلك ما سنفصل القول فيه، من واقع مصنفاتهم في تعريفهم للدولة، وتفصيل وظائفها.