فهرس الكتاب

الصفحة 5679 من 23694

إن الباحث في الحياة الاجتماعية في بلاد الشام بعامة وفي تاريخ تلك المرحلة من العصور القديمة بخاصة يواجه في بحثه جملة من الصعوبات ليس من السهل تجاوزهاـ، أهمها ندرة المصادر الأصلية التي يمكن اعتمادها. فبعد أن فقد معظم الأدب الكنعاني ـ الآرامي، أدب سورية القديمة الذي لابد أنه كتب في تلك الأيام أي في الألف الأول ق. م، كما كتب الأدب العبري المعاصر له بصورة منظمة، لم يبق من المصادر المباشرة لمثل هذا البحث سوى أسفار العهد القديم التي تلتزم بكتابة التجربة التاريخية والروحية لواحد من المجتمعات القديمة من جهة، كما تعكس كثيرًا من أحوال المجتمعات الأخرى المجاورة والمعاصرة من جهة ثانية.

وهكذا فإن هذه الأسفار هي بنظر الدارس الباحث وثيقة تاريخية يمكن الاستشهاد والاعتداد بها، ويمكن له أيضًا استنطاقها ومقاربتها بغيرها لاستطلاع الحقائق المنشودة منها. ولكن كيف تكون هذه الأسفار مصدرًا تاريخيًا لموضوعنا الذي نود الحديث عنه.

لقد أدى تقلب الأحوال وتعاقب الأحداث إلى تغييب صور باهرة من الماضي التليد لهذه البلاد في جوف الأرض حتى أطبق عليها صمت استطال قرونًا. ومن المراحل الفاصلة في تاريخها تلك الأحداث التي وقعت في الثلث الأخير من الألف الثاني ق. م، وأدت إلى تغيير كلي وعميق لوجه المنطقة، تراجع فراعنة مصر عن سورية وفلسطين أمام هجمات عنيفة ومتتابعة لشعوب البحر القادمة من بحر إيجه. وسقطت الإمبراطورية الحثية التي كانت تشكل إحدى كفتى الميزان الناظم للتوازن الدولي. وتعرضت المدن الكنعانية الكبرى على على الساحل السوري للدمار والخراب وأبرزها أوجاريت مدينة التجارة والحضارة والثقافة وحاضنة التراث الكنعاني المكتوب. وكانت أبلا قد غابت عن خارطة المنطقة قبل ذلك بقرون. أما ماري فكان قد لفها النسيان بعد تدمير قصرها العظيم على يدي حمورابي الذي أراد أن يجعل من بابل وحدها ودون غيرها حاضرة الشرق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت