وفي هذا الجزء من بلاد الشام وقع بين القبائل الغازية وسكان دول المدن الكنعانية ذلك الصراع الطويل الذي أدى حوالي 1000 ق.م إلى تكوين مملكة واسعة على أيدي مجموعة من القبائل المتحالفة بزعامة النبي داود. كانت مملكة عابرة شغلت حيزًا زمنيًا ضيقًا من تاريخ البلاد الذي يمتد إلى آلاف السنين. وكان من الممكن أن تضيع أخبارها وتنسى، كما ضاعت ولا شك أخبار أحداث هامة غيرها، لولا أن خلد ذكرها الكتب والكتَّاب الذين جمعوا الأخبار وصاغوا نصوصها وسجلوها، راقبوا النظم الاجتماعية والدينية والسياسية ووصفوها، سمعوا أحاديث الناس بلغاتهم وألسنتهم وترجموها ونقلوها. كان ذلك من أروع إنجازات ذلك الملك النبي الذي حشد حوله الكتَّاب فسجلوا مرويات كانت أشبه بالأسطورة وجمعوا التراث المتداول على ألسنة الرواة بما فيه من أخبار وقصائد وأشعار كانت وضعت في موازين وقوالب لغة البلاد الموروثة قبل أجيال، لغة كنعان، لغة المغلوب التي أضحت لغة الغالب. هكذا انتقلت عبر قنوات طويلة آثار أوجاريت وجبيل ويبوس أوري شلم وغيرها من ذلك المحيط الثقافي العام لتصب في بوتقة الكتاب الذي كان محصلة أول عملية تصنيف منظم في التاريخ. وإن الباحث المؤرخ عندما يقرر الحقائق العلمية لا يقف هنا"أمام لغويات مقدسة"كما يقول أندريه كاكو (1) لأنه يضع نفسه أمام قضية علمية. فمن هذا المنظار يمكن أن نجد في أسفار العهد القديم شواهد مكتوبة على حياة المجتمعات المعاصرة في مختلف مدن فلسطين وسورية.