إن التنقيبات الأثرية المنظمة التي أجريت في أنحاء المشرق العربي وفي سورية ولبنان وفلسطين أخذت منذ قرن تقريبًا تكشف عن المظاهر المختلفة للحضارة في بلاد الشام وبدأت تقدم للباحثين المختصين في الخطوط والنقوش واللغات والتاريخ مادة أولية مكتوبة بلغات تلك الأجيال الماضية من الشعوب التي عاشت قبلنا على هذه الأرض. فأخذت صورة الماضي المجهول تقترب منا لتتضح، وتتسع وتتكامل في تكوينها لتحيط شيئًا فشيئًا بجوانب من حياة الناس في الماضي في عصور موغلة في القدم وفي الألف الأول ق. م ولتبين لنا العوامل المؤثرة فيها والحضارات التي تركت بصماتها عليها وبخاصة الحضارة الكنعانية التي شملت البلاد كلها منذ الألف الثاني ق. م.
وبعد أن كانت أسفار العهد القديم إذن، هي المصدر الأساس لتلك الفترة، تمثل الآن الوثائق الآرامية الغزيرة المكتوبة على البردي وعلى الفخار والتي وجدت في مصر (2) وهي من العصر الفارسي معينًا لا ينضب لدراسة الحياة الاجتماعية واليومية ومظاهر الفعاليات الاقتصادية والنظم القانونية للمجتمعات السورية الآرامية التي كانت تقيم وتعيش في مصر في أسوان وفيلة وهرمونيتس في ما بين القرنين السادس والثالث ق.م. وترجع إلى عصر كانت الآرامية فيه وهي بالأصل لغة الشام آنذاك هي اللغة الإدارية والعامة للحياة اليومية في الامبراطورية الفارسية كلها من وادي السند إلى وادي النيل.