أما مشكلات الأسرة اليومية فكانت معقدة وتلقي على عاتق أربابها أعباء كبيرة ومن أهم هذه المشكلات: الظلام والتنوير، والمياه، والغذاء، واللباس. إنها مشكلات يومية كبيرة لكن مواجهتها والحلول التي أوجدت لها ارتبطت بالشرط التاريخي للعصر، وهو عصر الحديد، وبالبيئة الاقتصادية وهي بيئة زراعية.
الظلام والتنوير:
كانت مقتضيات أمن الأسرة تقضي بالامتناع عن بناء النوافذ والفتحات المتجهة إلى الخارج ولذا كان البيت ذو الحجرة الواحدة مظلمًا لا يخفف من ظلمائه إلا وهج نار الشتاء أو بصيص نور مصباح صغير، وقد يضطرون إلى فتح الباب طول النهار ليغلق في الليل بمزلاج بسيط عندما لا تكون ضرورة ماسة لفتحه لكن تطور هندسة المسكن أدى إلى التخفيف من الظلام بفتح نوافذ الحجرات على أبهاء مشكوفة في الداخل. بقي هذا التقليد الهندسي متبعًا في بلاد الشام إلى عصرنا، ثم حُلت مشكلة التنوير المنزلي بانتشار المصابيح الفخارية الزيتية التي كانت تصنع محليًا وبطرق مرعية قرونًا لكن أجودها كان يستورد من بلاد اليونان. أما تنوير الطرق والشوارع في الليل فلم يكن معروفًا في تلك العصور إلا أيام المواكب حين توقد النيران وترفع المشاعل.
كان الظلام مألوفًا في البيوت في الليل حتى في أكبر قصور الشرق. يتحدث الفرعون المصري أمنحت الأول (1970 ق.م) في نص وثيقة هامة عن محاولة فاشلة لاغتياله قائلًا:
"انتهت وجبة العشاء، وحلت أظلم الليالي ورقدت على سريري وأغمضت عيني، وأثقل النعاس جفوني وما إن بدأت أحلامي حتى أحسست بخطى متلصصة تقترب مني فاستيقظت وأمسكت بأسلحتي في الظلام.. في الظلام كنت وحيدًا بمفردي.." (11) .