فهرس الكتاب

الصفحة 6016 من 23694

هذا، وإذا كانت،"إنسانية الإنسان"هي مناط جدارته بالملك، والسياسة، على ما قدمنا من رأي ابن خلدون -فليس شيء إذن، من المكر، والخداع، والبربرية، وما إلى ذلك، من هذه"الإنسانية"في شيء، لا بالنسبة إلى المواطنين داخل الدولة، ولا بالنسبة إلى الأجانب من الشعوب والأمم الأخرى الذين لا ينتمون إلى رعاياها، لأن"المعنى الإنساني"لا يتجزأ، وكذلك سائر الفضائل، وأصول العدل، وإلا كان التحيُّز، والظلم، والتمييز بالعنصر، أو الجنس، أو اللون، أو اللغة، أو الدين، وليس شيء من ذلك، بقادر على أن يُخلَّ بموازين العدالة، أو القيم الخالدة في الإسلام، حتى إذا انتفت"إنسانية الإنسان"-على ما يرى ابن خلدون- عن أن تكون مناطًا للجدارة بالحكم والسياسة، فقد انتفى الاستحقاق للولاية العامة، والتصرف على الأمة بمقتضاها، وأضحى رئيس الدولة حينئذ -كما يقول الإمام الماوردي:"مفسِدَ دهر، وسلطان قهرٍ"بل نرى الإمام الماوردي يرسي أربع قواعد أساسية للدولة، تقيِّد سلطة الحكم، وتوجه تصرف الحاكم، أوَّلها:"دينٌ متَّبَع"وثانيها"عدل شامل" (24) بل قد نص الإمام الماوردي والغزالي أيضًا على جماع الخصائص الإنسانية الرفيعة في الحاكم الأعلى، تجعله في أشرف"مقام"لأنه"استمرار لمقام النبوة"وقيامٌ بوظيفة الرسالة والتبليغ، والتنفيذ، والاجتهاد في الاشتقاق والاستنباط، من الرسالة نفسها، نصًا ودلالة، حيث يقول:"هي خلافة عن النبوة، في حراسة الدين، وسياسة الدنيا"وكيف يتأتى ممن هذا مقامه، وتلك وظيفته، أن يسلك سبيل الخداع، والمراوغة، والكذب، ونكث المعاهدات، والمواثيق، بل كيف يسوغ له، أن يسوس شعبه وأمته، بالبربرية، وأن يسومها الوحشية والقسوة؟ لا يتأتى ذلك إلا ممن لم تتوفر فيه شروط الرئاسة العليا، ومن ثم تسقط مشروعية رئاسته، ويصبح تصرفه السياسي العام، غير مشروع!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت