فهرس الكتاب
"الثاني"أنه مسؤول أمام الرعية عن مدى تحقيقه لمصالحها الحقيقية، باعتباره وكيلًا عنها، يعمل لمصلحة موكله الذي اختاره بمحض إرادته، ليقوم مقامه بتنفيذ مقتضى"السيادة"التي تعني"التشريع المهيمن"وإلا جانب المشروعية، وسقطت ولايته! ذلكم هو ثمرة كون الحاكم الأعلى، طرفًا أصيلًا في"العقد السياسي"المبرم بينه وبين رعيته، واقعًا وعملًا، لا وهمًا، ولا تخيلًا، ونتيجة كونه"ملتزمًا"بمقتضى هذا العقد، لا يجوز له أن يُخلَّ بتلك"الالتزامات"أو"يتهاون في أدائها، وتنفيذها، على الوجه الأوفى والأكمل، أو يخالف عن أمرها، لأن هذا الالتزام والتنفيذ، والتقيد بشرع الله، في التصرف السياسي العام، هو مناط مشروعية ولايته العامة، كما أشرنا، والمسؤولية عن ذلك، عامة، استقرت أصولها في الكتاب والسنة."
أما الكتاب، فلقوله تعالى: ( فلنسألنّ الذين أرسل إليهم، ولنسألنّ المرسلين( وقوله تعالى: (كل نفس بما كسبت رهينة( ولقوله ( في الحديث المشهور:"كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته، الإمام راع ومسؤول عن رعيته.. الحديث"فالمسؤولية -كما ترى- متبادلة، مشتركة، وعامة، وهي أساس الحكم الصالح.
على أن علماء"الفقه السياسي"في الإسلام، قد أوردوا"البيان السياسي"الذي أعلنه أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- إثرَ توليه الخلافة، بما يفيد، أن"السيادة"وثمرتها، من"المصلحة العامة الحقيقية"للأمة، لا للخليفة، ولا للحاكم، أيًا كان، ولو كان نبيًا مصطفى، بمقتضى قوله تعالى: (ليس لك من الأمر شيء( وقوله عز وجل: (لست عليهم بمسيطر"أقول: إن أبا بكر أورد بيانًا سياسيًا غداة توليه مقاليد الحكم، فيما أورده صاحب كتاب المسايرة، بشرح المسامرة،(26) ، ما نصُّه:"أما بعد، أيها الناس، إن الذي رأيتم مني، لم يكن حرصًا على ولايتكم، ولكن خِفتُ الفتنة، والاختلاف وقد رددت أمركم إليكم، فولُّوا من شئتم (27) "."