فهرس الكتاب

الصفحة 6022 من 23694

غير أن مما هو جدير بالملاحظة والتقدير في الفقه السياسي عند الإمام الغزالي، أنه إذ يرفع من"شأن السياسة"حتى بلغت -في تفكيره- شأوًا بعيدًا، وعلى نحو لم نلاحظه عند غيره من فلاسفة السياسة المسلمين، أقول: إنه إذ يرفع من شأن"السياسة"على هذا النحو، لِعِظَمِ دورها، وخطورة آثارها، في تدبير شؤون الأمة، يرى -في الوقت نفسه- أن السياسة لا تملك"القدرة"على أداء مهامها العظمى، إلا على أساس"صياغة النفس الإنسانية"صياغة تعين السياسة نفسها على أن تؤتي ثمارها، وذلك بتوجيه الأمة توجيهًا رشيدًا يكفل لها"الاستقامة"ويعينها على التزام جادتها، وهذا لن يكون إلا"بالدين"الذي يخلُق"الوازع الذاتي"في الحاكم والمحكوم على السواء، وبذلك يتم تحقيق"العلاقة السياسية والتكافلية"المتبادلة بين الراعي والرعية، وهو عين ما ذهب إليه ابن خلدون، إبان بحثه في"طبيعة السلطة"حيث جعلها على نوعين: آ-سلطة شرع، ب- سلطة مُلك وعصبية، وفضَّل الأولى على الثانية، بالنظر إلى اختلاف"طبيعة الوازع"فهو في الأولى"ذاتي"ابتداءً، وعن قناعة ورضا، بينما هو في الثاني"قهريٌ خارجي".

تجد هذا صريحًا في قول الإمام الغزالي، مقررًا وظيفة الدولة الكبرى من"حمل الناس على مراشدهم" (25) "وفي قوله:"السياسة لاستصلاح الخَلق" (26) ويؤكد الإمام الغزالي هذه"الصلة"التي يراها وثقى بين"السياسة والدين" من قِبَل أن"السياسة"هي "الطريق الموصل إلى سعادة الدنيا والآخرة معًا"في قوله:"فبان أن السلطان ضروري في نظام الدنيا، ونظام الدنيا ضروري في نظام الدين، ونظام الدين ضروري في الفوز بسعادة الآخرة" (27) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت