فهرس الكتاب

الصفحة 6025 من 23694

هذا، ومما هو جدير بالملاحظة أيضًا، هو: أن"الواقعية السياسية"عند الإمام الغزالي، على النحو الذي قدمنا في المقال السابق، تجدها هنا فيما يربط بين"السيادة"التي تعني"هيمنة الشرع"على الدولة، والحاكم، والمحكوم، على السواء، وهو ما يطلق عليه اليوم"سيادة القانون"أو"المشروعية العليا"في الدولة، أقول تبدو"الواقعية السياسية"عند الإمام الغزالي، فيما يربط بين هذه"السيادة"بمعناها الذي قدمنا نظريًا، وبين"السلطة العامة"التي يمارسها الرئيس الأعلى، ومن يُفوِّضُه ممارستها من نوابه، ووزرائه، وموظفيه، على اختلاف مراتبهم عمليًا، إذ يرى الإمام الغزالي- وقد كان يعيش في عصر يمور بالفتن، ويموج في الصراعات السياسية، بل والدموية، أن"السياسة"-وإن كان من أولى وظائفها، وضع النظام العام الآمر الذي يكفل القضاء على الفتن، والفوضى، ليستتب الأمن ويستقيم آمر المعايش، وتتحقق أسباب الرخاء، والازدهار، والتقدم، برعاية"مصالح الأمة"- أقول: إن الإمام الغزالي إذ يرى أن السياسة من أولى مهامها ذلك، غير أنه -بواقعيته السياسية- يفترض أنه قد"يعسُر"عليها تحقيق ذلك كلِّه، دون"قوة قاهرة"تتمثل في السلطان المطاع الذي تتركز في يده"وحدة السلطة"ومن هنا، نشأ ارتباط"السيادة"للدولة التي تنهض بالمشروعية العليا، والأساس الشرعي المثبت لها، أقول: نشأ ارتباطها بالسلطة العامة، مما يؤذن بالفرق الواضح، بين"السيادة"وبين"السلطة العامة"-مفهومًا- إذ من المحتمل أن تنحرف السلطة العامة عن مقتضيات"السيادة"ودستورها عملًا -كما ذكرنا- وإن كان من المفروض، أن قواعد"السيادة"ودستورها، هو"السلطة العامة"في حالة الحركة والتنفيذ، تجسد تعاليمها"وذلكم، هو منشأ حق رئاسة الدولة في طاعة الرعية التي قررها صريح قوله عز شأنه:"وأطيعوا الله، وأطيعوا الرسول، وأولي الأمر منكم" وهي طاعة مشروطة بعدم الانحراف عن قواعد"المشروعية العليا""

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت