فهرس الكتاب
وأيضًا، فقد بيَّنا آنفًا، أن"السيادة"إذ تعني"هيمنة الشرع"على التصرف السياسي العام"وهو ما يطلق عليه اليوم"المشروعية العليا"أو"سيادة القانون"مما يجعل،"الدولة"- في الفقه السياسي الإسلامي-"دولة القانون"أو"الدولة الدستورية"فإن تحقيق"غايات الدولة"ومقاصدها الأساسية في الإصلاح العالمي، لن يتم إلا بالتطبيق والتنفيذ، ومن هنا رأينا الإمام الغزالي - وقد كان يعيش في عصر يمور بالفتن المظلمة، ويموج في الدسائس والمؤامرات، وفي الصراعات السياسية، والدموية- رأيناه يجعل من أولى الوظائف السياسية"مراعاة الواقع"لمعالجته، فأوجب وضع نظام عام آمر مُلزم يكفل القضاء على الفساد، والفتن، والفوضى، إذ لا معنى للدولة إذا كان مجتمعها تسوده الانشقاقات، ومنازع الأهواء الخاصة، بل وليس جديرًا بالمجتمع أن يوصف بكونه"سياسيًا"إذا كانت تتعاوره مثل تلك العاهات، بل الطامات الكبرى، ولهذا، كان الغزالي، يؤكد دائمًا على أن"الدولة"شرط أساسي لقيام المجتمع السياسي، بل لا قيام لمجتمع سياسي -في نظره- إلا في ظل"دولة"لأن ذلك مما تقضي به طبائع الأشياء."
وتأسيسًا على هذا النظر الأصولي، رأينا الإمام الغزالي من"الواقعية"بحيث جعل"السلطان القاهر المطاع ضروريًا لإقامة نظام الدنيا والدين معًا، إذ"الواقع السياسي"يقتضي ذلك."
ينبغي التمييز بين"السيادة"التي تعني المشروعية العليا في الدولة، وبين"السلطة العامة"في حالة الحركة والتنفيذ.
وتفسير هذا، أن السياسة -في حد ذاتها- غالبًا ما تعجز عن تطبيق قواعد السيادة، ودستور النظام العام الآمر، دون"قوة قاهرة متركزة في يد السلطان المطاع، بما يحقق وحدة السلطة المركزية"في الدولة، والواقع، أن الدول متفاوتة من حيث نسبة هذا التطبيق.