فهرس الكتاب
هذا، ويرى الإمام الغزالي، بواقعيته السياسية أيضًا، أن ثمة فرقًا واضحًا بين"السيادة"أو"المشروعية العليا"في الدولة، وبين السلطة العامة -كما أسلفنا- إذ من المشاهد واقعًا، أن"السلطة العامة"قد تنحرف عن مقتضيات السيادة، والمشروعية، وإن كان من المفروض، أن"السلطة العامة"في حالة الحركة والتنفيذ، تجسد"المشروعية"و"مقتضيات السيادة"وحينئذ يتم التطابق بينهما، ولكنهما -على التحقيق- ليستا شيئًا واحدًا، وحين يتم هذا التطابق، يمكن أن يفسَّر سرُّ قوله تعالى:"وأطيعوا الله، وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"إذ تراها"طاعة"مشروطة بعدم الانحراف عن طاعة الله تعالى في تطبيق كامل شرعه، وطاعة رسوله في تنفيذ أحكام سنته، ولا نقصد بالسيادة، والمشروعية العليا، إلا هذا، لأنها هي"المهيمنة"على التصرف السياسي العام، على ما بينَّا.
بعد هذه الخلاصة الموجزة نوالي البحث في هذا الموضوع الهام فنقول:
أ-الإمام الغزالي إذ يؤكد ضرورة"السلطة العامة المركزية الموحدة للدولة، أو كما يعبِّر هو عن ذلك بقوله:"السلطان القاهر"الذي يتمثل في"السلطان المطاع" يبين منشأ هذه السلطة، ويفسره بأن"السيادة"تعني -كما قلنا- "هيمنة الشرع"فعلًا- قواعدَ وأحكامًا، بل ونظامًا عامًا آمرًا- وتلقي بالمسؤولية السياسية الكبرى على عاتق الدولة عن تنفيذ هذا التكليف، وتطبيق هذا النظام العام، ولو بالإكراه المادي، وإلا فلن يكون"المجتمع سياسيًا"-كما أسلفنا- ولن تتحقق فيه أهداف الدولة، ولا ينتظم الأمر فيها بحال."