فهرس الكتاب

الصفحة 6034 من 23694

هذا، ويقرر الإمام الغزالي"منشأ السلطة العامة"وضرورتها بعبارة أوضح، إذ يقول في كتابه الأحياء: وخلَق الدنيا زادًا للمعاد، ليتناول منها ما يصلح للتزود، فلو تناولوها بالعدل، لانقطعت الخصومات، وتعطَّل الفقهاء، ولكن تناولوها بالشهوات، فتولدت الخصومات، فمست الحاجة إلى"سلطان"يسوسهم، واحتاج السلطان إلى قانون يسوسهم (35) به"وبذلك اجتمع القانون السياسي، والسلطة الرادعة، وهذا يفسر لنا أيضًا نشأة الدولة عقلًا."

أما الإمام الماوردي، فينص على ذلك بعبارة جليَّة، إذ يقول في صدد تحديده للقواعد التي تصلح بها الدنيا (الدولة) :"وأما القاعدة الثانية: فهي:"سلطان قاهر"تتألف برهبته الأهواء المختلفة، وتجتمع بهيبته القلوب المتفرقة، وتنكفُّ بسطوته الأيدي المتغالبة، وتنقمعُ من خوفه النفوس المتعادية (36) "ثم ترى"الماوردي"يفسر ذلك تفسيرًا نفسيًا (سيكولوجيًا) إذ يقول: لأن في طباع الناس من حبِّ المغالبة والمنافسة، على ما آثروه، والقهر لمن عاندوه، ما لا ينفكون عنه، إلا بمانع قوي، ورادع ملي (37) "هذا فضلًا عن الأدلة من القرآن والسنة الناهضة بوجوب إقامة الدولة."

هذا، ويفسر العلاَّمة ابن خلدون بدوره، منشأ السلطة العامة، وما تنطوي عليه من"قوة قاهرة"بأن الإنسان مدني أو اجتماعي بطبيعته، ومن طبيعة هذا الاجتماع، نشأت ضرورة وجود"الوازع القهري للبشر"وهو"القوة الغالبة"التي تمنع التغالب بين آحاد الناس، إذ يقول ما نصه:"ثم إن هذا الاجتماع إذا حصل للبشر، كما قررنا وتم عمران العالم بهم، فلا بد من وازع يدفع بعضهم عن بعض، لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم" (38) .

وهذا من أعظم مسؤوليات السلطة العامة التي قررها الإسلام، تساوقًا مع طبائع الأشياء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت