فهرس الكتاب
وعلى هذا، تبدَّى لك أن هذا الوفاء بالحاجات الضرورية لأربابها، ليس أمرًا اختياريًا، متروكًا تنفيذه للمروءات، وسخاء النفوس الزكية، بل هو واجب حتمي من صميم مسؤوليات الدولة، تنفذه بسلطانها القاهر، إذ هو مما تقتضيه قواعد العدل والإنصاف، وهذه لا خيرة فيها، لا للدولة، ولا للمكلفين، بل هو -كما بيَّنا- مما يوجبُه مبدأ التكافل الاجتماعي الملزم في الإسلام بين الراعي والرعية، وكلُّ مبدأ من مبادئ العدل، واجبٌ تنفيذه شرعًا، طوعًا أو كرهًا بسلطان الدولة، لأنه حقٌ من حقوق الله تعالى التي لا يجوز إهمالها، ولا التهاون في أمر تنفيذها، وإلا كان الظلم وهضم الحقوق! وهو محرم في الإسلام قطعًا.
جـ-من أهم قواعد العدل والإنصاف -في نظر الغزالي- أن"يعرف الإمام قدر الولاية العامة، وما لها من خطر"ويعني بذلك، أن يدرك الرئيس الأعلى حقيقة مسؤولية هذه الولاية، وأبعادها، ووظائفها، وما يطلب إليه من تحقيق مقاصدها، إذ تطبيق العدل فرع عن تفهم مضمونه، ووسائل وإجراءات تنفيذه.
ومفاد هذا، أن تطبيق"العدل"ينبغي أن يكون عن إدراك وتفهم عميق لأبعاده، وللمسالك والنظم المفضية إليه، من راعى ذلك فقد وُفِّق إلى اجتناء ثمراته، إذ لا ثمرة تُجنى دون تنفيذ واع حكيم، وسياسة رشيدة، وباجتناء الثمرة تتحقق السعادة والعزة والسيادة، ولذا كانت"الولاية العامة"نعمة كبرى (43) على القائم بحقها، فضلًا عن الأمة، لعظم المهام التي يضطلع بها، وتغدو على النقيض من ذلك تمامًا بالنسبة إلى من قصَّر بحقها، لأنها تفضي إلى"الشقاوة"وهي شقاوة بالغة، لأنها تالية لمرتبة الكفر بالله تعالى (44) ، ولذا كان الإمام العادل على يمين الرحمن يوم القيامة!.
هذا، وقد أشاد النبي ( بجليل خطرها، إذ يقول"عدل السلطان يومًا، أفضل من عبادة سبعين سنة(45) ".