فهرس الكتاب

الصفحة 6039 من 23694

ويترتب على هذا- في نظر ابن خلدون بوجه خاص- أن نجاح ولي الأمر، أو الساسة، أو الزعماء، والقادة، وحتى الرسل والأنبياء، وأنه لم يكن ما أصابوا من حظ فيه، وفي تغيير المجتمع وتطويره، إلاَّ يوم أن ارتقى إلى المستوى الذي أهلَّه لذلك، ولتبيُّن وقبول"حقائق الدعوات"وفلسفتها، وأصولها ومراميها، إبان ظهورهم على المسرح التاريخي، ولعل هذا يفسِّر لنا أيضًا، ما لاقى الرسول الأعظم ( من مشاق جسام، بل وما عانى من كروب الحياة، وأهوال الصراع العاتي، في هذا السبيل، في مكة أولًا، فالمجتمع نفسه -على رأي ابن خلدون- له الدور الأول في تحقيق هذا النجاح، على الرغم مما للقادة، والزعماء، والرؤساء، والمفكرين والفلاسفة، من أثر لا يستهان به في شؤون التطور، مصداقًا لقوله تعالى: (إن الله لا يغيِّر ما بقومٍ حتى يغيِّروا ما بأنفسهم"(47) هذا النص القرآني الصريح يقرر"سنة التغيير"وأنها منوطة"بالإرادة العامة"للشعب أو للأمة التي تندمج فيها"إرادات أفرادها"عن وعي وبصيرة، وإنَّ تغييرها وتطويرها إلى أفضل أو أسوأ، رهنٌ بإرادتها هي التي تأتي إرادة الله تعالى على وفقها، كما هو صريح النص، والخطاب فيه موجَّه إلى الأمة كافة، لا إلى رئيسها خاصة."

و-ممارسة الشدة والعنف في تنفيذ الشرائع، والقوانين، أو في التصرف السياسي العام على الأمة، من أقبح صور الظلم، إذا كان يتم تنفيذها أو ممارستها بما دون ذلك، من الرفق (48) ، واللين، إشارة إلى أن"السياسة"ليست استطالةً، ولا تجبُّرًا، ولا إرهاقًا للمواطنين، ولا استذلالًا لهم، ولا تقويضًا لبُنى معنوياتهم، بل"الكرامة الإنسانية"هي أساس ممارسة السياسة، ومنطلقها، ما لم يكن ثمَّة سبيل إلى تنفيذ الحق والعدل إلا بإهدارها، وذلك حين يُسقط المكلَّف عصمتَه، وكرامته، باختياره، ومحض إرادته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت