فهرس الكتاب

الصفحة 6040 من 23694

تلك قاعدة عامة من قواعد الإمام الغزالي في السياسة الرشيدة المنصفة التي ينبغي أن تُلتزَم، عصمة للحرمات، وصيانة للكرامة الآدمية، واجتثاثًا لأصول الاستكبار، والاستعلاء، والتجبُّر، والاستطالة، في الأرض، والظلم هنا في"الوسيلة"المتخذة، وممارستها -كما ترى- ولو كانت لاحقاق الحق، وإقامة العدل، مما ينبئ عن أن"الوسيلة"لا تقل من حيث الرعاية عن غايتها، وهذا على النقيض مما رأينا في فلسفة رواد الفكر السياسي الحديث، وفي مقدمتهم، ميكيافيلي، من أن"الغاية تبرر الوسيلة"بل لا بد أن يكون كلٌ من الواسطة والغاية، في ميزان العدل، والفضيلة، سواء، إذ العدل لا يتجزأ بالنسبة إلى أيِّ منهما، وكذلك الظلم، وفي هذا المعنى يقول الإمام الغزالي:"ينبغي أن ينفِّذ السلطان أموره بالرفق، وألا يلجأ إلى الشدة والعنف في كل أمر يستطيع تحقيقه عن هذا الطريق، فلقد دعا ( فقال:"اللهم الطف بكل وال يلطف برعيته، واعف عن كل وال يعفو عن رعيته"(49) وهذا من أروع ما عُرف في قواعد السياسة والحكم في العالم، فيما أعلمه!!."

ز-الإمام الغزالي يشتقُّ"معيارًا نفسيًا أو روحيًا من تعاليم النبوة، ويقيمه قاعدة عامة للعدل والإنصاف، وهو -فيما نرى- أصدق معيار وأدقُّه، وأقربه صلة بالعقيدة، ذلكم هو: أن على الحاكم أن يُنصف الناس في كل قضية تعرض عليه، كما يحب هو نفسه أن يُحكم عليه بالإنصاف والعدل، فيما لو كان واحدًا من الرعية، وفي كل قضية تتعلق به، وكان الحاكم غيره (50) ".

هذا، والأصل النبوي الذي اشتُق منه هذا"المعيار"هو قوله (:"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه، ما يحبُّ لنفسه"وفي هذا المعنى يقول الإمام الغزالي ما نصه:"في كل واقعة تصل إليك، وتُعرض عليك، تغدو أنك واحد من جملة الرعية، وإن الوالي سواك، فكما لا ترضاه لنفسك، لا ترضى به لأحد من المسلمين، وإن رضيت لهم ما لا ترضاه لنفسك، فقد خنت رعيتك، وغششت أهل ولايتك(51) ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت