فهرس الكتاب

الصفحة 6044 من 23694

وتفسير ذلك -من وجهة نظر الفلسفة السياسية في الإسلام- أن"الحضارة"-والسياسة أبهى معارضها- ليست مجرد تقدم مادي أو تقني، يُطَّرَحُ معه جانبُ النفس الإنسانية التي هي مبعث كل تقدم إنساني حقيقي، أو تهمل مقتضيات الروح، أو أصول الفضائل، على النحو الذي بيَّنا لك من فلسفة السياسة عند رواد الفكر السياسي الحديث، بل رأينا فلاسفة السياسة المسلمين- وفي مقدمتهم الإمام الغزالي، والماوردي، وابن خلدون، وغيرهم- يفسرون وجه هذا الارتباط، بأن"الدين"وفضائله، ومثُله، وغاياته الإنسانية البعيدة، يمتاز، من حيث قوة فاعليته في النفس- الإنسانية-، بخلق الوازع الذاتي التلقائي الطوعي الذي قوامه الاقتناع العقلي، والتأثر الوجداني، والاطمئنان القلبي، إذا صح في المرء عنصر الاعتقاد المستقر في أعماق النفس الإنسانية، بما ينهض به من"البراهين"التي جعلت منه"عقيدة"موضوعية المفهوم، إنسانية الأبعاد، إيجابية الدوافع والمقتضيات، شمولية الحكم والهيمنة"فكانت لذلك معينًا للفضائل لا ينضب، ومشرقًا للرشد السياسي، في تحقيق العدل والصالح العام."

وعلى هذا، كان"الدين"بعقائده، ومثُلهِ، وتوجيهاته، وبواعثه، وتشريعاته التي تقوم على العدل، والمصلحة، والمنطق، هو العامل الفعال في"تهيئة المجتمع"لتقبل آراء فلاسفة السياسة، والمفكرين، والمجتهدين، والعلماء، والحكام بالعدل من المسلمين، وما يصدرون عنه من توجيه، أو إلزام، لتطوير المجتمع، والتقدم به نحو الرقي والكمال الإنساني، يتقبلونه عن"طواعية وقناعة"ويأتمرون بوازع ذاتي يكفل لهم الحرية، كما يضمن لهم المجال الواسع في تحري الحق والعدل، ويصون الأمة بالتالي من الانشقاق الذي يجعلهم فرقًا متعادية، فيما بينهم، في الداخل، بل قد يحمل هذا"العَداء"بعضهم على التحالف مع العدو الخارجي، لهدم بنيان الدولة، أو العمل على تصدعه، وتداعيه، على ما هو مشاهد ومحسوس!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت