فهرس الكتاب
غير أن الإمام الغزالي جعل أساس كل أولئك"التربية المثالية الصحيحة"التي تُعنى -أول ما تعنى- بالمبادئ الخلقية، والتعاليم الدينية، أي بالتربية الخلقية، والتربية الدينية معًا (58) وهذا أمر طبيعي ومنطقي، أن يصدر عن الإمام الغزالي ذي النزعة الصوفية.
هذا ولا يفسد على الفرد أو المجتمع حياته الإنسانية الكاملة -في نظر الغزالي- إلا الانغماس في الملاذ المادية، فكانت التربية الخلقية والدينية هي الأداة المتعيِّنة لصقل النفس البشرية، ولتجلو عنها العمى وصدأ الجهل بحقائق الحياة الإنسانية في هذا الوجود! إذ وراء الملاذ تكاليف شاقة لصنع الحياة.
ومما لا ريب فيه، أن الإمام الغزالي قد جمع بذلك بين نزعته الصوفية، وبين فلسفته السياسية الواقعية العملية التي تتصل بالمصالح، والمنافع، جمعًا لا تناقض فيه، ولا نشاز، بل تراه يفلسف اتجاهه الواقعي العملي على أساس أن الشرع قد جاء لتحقيق"مصالح الخَلق"في الدنيا، أولًا، لتكون سبيلًا إلى الآخرة، والفوز بنعيمها مآلا وعقبى، وهذا لا نزاع فيه بين العلماء، وبذلك اعتبروا"السياسة"وسيلة ناجعة ومتعينة لتحقيق ذلك، كما جعلوا المبادئ الخلقية، والتربية الدينية، وسيلة أيضًا لصقل النفس الإنسانية، وتنميتها بما تميل هي إليه، بحكم فطرتها، من القيم الإنسانية، والمثل الرفيعة، لتتم إمكانية إعدادها، وتهيئتها للتطوير إلى ما هو أفضل، وأرقى إنسانيًا، وثقافيًا، وعلميًا وعمليًا.