فهرس الكتاب
وقد يقول قائلٌ عن التاريخ: أنه معدن الأحاديث الضعيفة، يحط بذلك، في زعمه، من قدر ذخيرته الحديثية، ويزهد بالتالي في الاشتغال بتخريج تلك الأحاديث.
وقد يحتاج بيان خطل هذا القول إلى شيء من البسط والاتساع ليس هذا أوانه، ولكن حسبنا أن نقول: إن هذا الكتاب العظيم قد ضم بين دفتيه مكتبة حديثية ضخمة، جمعت نفائس من هذا العلم قلَّ لها نظير، وبذلك فإن تخريج أحاديثه يفتح -بإذن الله- آفاقًا رحبة في ميدان علم الحديث، ويُلقي أضواء مبصرة على كثير من كتب الملخصات التي جمعها المتأخرون، تلك الملخصات التي أوردت المتون وسكتت عن الأسانيد، فغم على الباحثين أمر كثير من تلك المتون، وما مثال"الدر المنثور"للسيوطي عنا ببعيد.
ثانيًا: وهم التجزئة والمراحل الثلاث:
كان للقدماء في هذا المجال بعض أوهام، سحبت ظلالها على الباحثين المحدثين، فأثمرت فروضًا غير صحيحة، ينفيها واقع الحال في هذا الكتاب. وهذه القصة من أولها:
-قال العماد الأصبهاني في خريدة القصر2:"فلما وصلت إلى الشام، وأقمت بدمشق، ترددت إليه (يعني: إلى الحافظ بن عساكر) ورأيته قد صنَّف تاريخ دمشق، وذكر أنه في سبعمائة كراسة، كل كراسة عشرون ورقة".
قلت: وهذا هو الوهم الأول. ولعله سهو قلب"السبعين وخمسمائة"إلى"سبعمائة"في ذاكرة العماد.
-ثم جاء الذهبي فقال في"سير أعلام النبلاء"3 -وهو يعدد مصنفات الحافظ بن عساكر:"فمن ذلك تاريخه في ثمانمائة جزء- الجزء عشرون ورقة، فيكون ستة عشر ألف ورقة".
فأضاف وهمًا ثانيًا، حين ظن أن جزء التجزئة الثمانينية يبلغ عشرين ورقة.
-أما الوهم الثالث فجاء من أحمد بن مصطفى، المعروف بطاشكبري زاده، قال في مفتاح السعادة، أثناء حديثه عن الحافظ أبي القاسم4:
"صنَّف التاريخ الكبير لدمشق في ثمانين مجلدة بخطه"فزعم أن أبا القاسم كتب الثمانين بخطه، وهذا هو الوهم الثالث.