فهرس الكتاب
وأخيرًا فهذه الأشعار تكاد تكون قاسمًا مشتركًا عند جميع الشعراء الصعاليك وإذا ما قيست بشعر الشعراء الجاهليين -من غير الصعاليك- فهي مثله في غرابتها وتفوقه أحيانًا عند بعضهم كما عند تأبط شرًا... ونستطيع أن نعيد هذا إلى الحياة البدوية الجاهلية التي عاشها الجاهليون والصعاليك معًا.. لكن فرقًا واضحًا بين الشعراء الصعاليك والشعراء الجاهليين يظهر واضحًا جليًا، وهو أن الصعاليك عندما أتوا بهذا الغريب لم يعمدوا إليه ويتأنقوا فيه على عكس الجاهليين الذين اعتنوا بشعرهم أكثر، فجاء أحيانًا وقد ظهرت فيه آثار الصنعة الفنية كما في المدرسة الأوسية.
2-عدم التكلف:
لم يكن الشاعر الصعلوك يفرغ نفسه لكي يتأنق في شعره ليأتي به على أحسن حال.. بل إن واقع حياته هو الذي لم يسمح له بهذا، فالصعلوك دائمًا متنقل، هارب، وأنى له الاستراحة والهدوء لإعمال فكره في الشعر. فإذا أراد السليك بن السلكة أن يوصل خبرًا لرفيقين له قال هذا الخبر وهو يركض ويعدو بسرعة فكيف سيأتي هذا الشعر منمق الألفاظ؟
يقول:
يا صاحبي ألا لا حي بالوادي
أتنظران قليلًا ريث غفلتهم ... أم تعدوان فإن الريح للعادي (14)
ولكن للشعراء الصعاليك أشعار نلاحظ فيها التفنن في القول ولكنها قليلة ونمثل لهذا بقصيدة لتأبط شرًا قالها بعد أن نجا من أعدائه لحيان وعندما عاد إلى قومه: يقول: ... إذا سُد منه منخر جاش منخر
فذاك قريع الدهر ما عاش حوَّل
أقول للحيان وقد صغرت لهم ... وطابي ويومي ضيق الحجر معور
هما خطتا إما اسار ومنة ... وإما دم والقتل بالحر أجدر (15)
هذه الآثار تتردد بين الفينة والأخرى في شعر الصعاليك،"ولكن هذه الصنعة قليلة لا تكفي لتكوين مذهب فني خاص نبيح لأنفسنا أن نجعله من خصائص شعر الصعاليك" (16) ... كعين الغراب صفوها لم يكدر (17)