فهرس الكتاب
يلجأ الشاعر إلى الاعتماد على أماكن تاريخية معينة، تكون ذات دلالة في نفس القارئ. ويتم اختيار الأماكن التاريخية وفق شيئين أساسيين: الأول الحالة الوجدية التي يكون فيها الشاعر أثناء صياغة مشروعه الإبداعي، فإذا سيطر عليه الشجن فإنه يختار الأماكن المشجنة. وإن وقع في حالة من الغبطة والحبور فإنه ينتقي أماكن الفرح والمسرة، والشيء الثاني هو الغرض الذي يرمي إليه في استدراج القارئ. فليس من الضروري أن يقتصر الشاعر على ذاته وأحاسيسها، أثناء صياغة مشروعه الإبداعي، فقد يهدف إلى قارئ ما. يبغي إيصال شيء ما إليه. وليس من الضروري أن يكون هذا الشيء لصيقًا بقلبه، ولكنه يعرف حين يضع في ذهنه قارئًا ما، فالأماكن التي تثير هذا القارئ، وقد استخدم شعرنا كثيرًا من الأماكن التاريخية، كالقدس والجلجلة وكربلاء ومكة، وعين جالوت، وحطين، والجليل، ودمشق، وبغداد... الخ وذلك بحسب الحدس الذي يوجه الشاعر، أوبحسب الغاية التي يتوخاها، والتي يريد أن يستدرج قارئه إليها.
وقد يخيل للشاعر أنه يستدرج القارئ إلى الغاية التي يريد، فإذا به هو نفسه واقع في الانفصال التاريخي ويندمج شعوريًا فيه، فتتشكل بؤرة إبداع حقيقية، تتحقق فيها حالة الوجد الشعري. وهكذا لا نستبعد أن يقع الشاعر في الأحبولة التي نصبها للقارئ، ولن تكون إلا لصالح الاثنين معًا.