فهرس الكتاب

الصفحة 6118 من 23694

ولكن ليس من الضروري أن تكون الأماكن والآثار ذات ملامح تاريخية محددة، كتدمر وبعلبك والقلاع والحصون، بل يكفي أن تندرج الدلالة في الزمن الماضي حتى يرتاح الشاعر إلى عمله. إن شعر خليل مطران في"نيرون"و"رعمسيس"يعتمد على"تاريخيات"واضحة الملامح، وكذلك واضحة الغايات. ولكن نظرة عجلى على شعرنا الحديث، ترينا كم أكثر الشعراء من ذكر المدافن والمقابر والبقايا، من غير تحديد واضح لهذه الأماكن، التي مهما قلنا فيها، لا ننكر أنها تنتمي إلى الماضي وترمز إليه، وتثير شجنًا إنسانيًا مصيريًا، مستحبًا عند الطرفين: الشاعر وجمهوره، ويقوم الشاعر بهذه اللعبة، لاعتقاده أن الرمز السائب الذي تغلفه الضبابية، أوقع في النفس من الرمز المحدد، حين لا تكون ثمة مدعاة لتحديد تاريخي. وإن أي خطأ في الاستخدام التاريخي للآثار والأماكن، سينقلب على المشروع الإبداعي، بنتيجة سلبية. إن خطورة استخدام الأماكن والآثار التاريخية تفرض على الشاعر دقة متناهية، فلا يأتي باسم إلا في مكانه الدلالي، وإلا فسدت قيمته الفنية.

على أن بعض الشعراء، كثيرًا ما يستنجدون بالآثار والأماكن التاريخية، لسد فجوة وجدانية يعجزون عن التعبير عنها بأساليبهم المتبعة، بالأشكال العادية. والأغلب أن مثل هذا الاستنجاد لا يجدي كثيرًا، وعلى الأخص حين يكون نتيجة لشح القريحة واستغلاق الموهبة الشعرية، التي هي السند الأول والأخير، والتي تستغني عن كل شيء، في حال قيامها بعملها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت