فهرس الكتاب
ومثل هذه المحاولات الإبداعية تكثر في المراحل التي يسود فيها النزوع إلى الأعلام والأماكن والآثار التاريخية، بحيث يصبح تكرارها مملًا من جهة، وغير موح من جهة ثانية. والتمسك بما هو قديم يكمن خلف هذه المحاولة، لاعتقاد ضمني بتلك القدسية والعجائبية في القديم. وبهذه المحاولة تنطلق المحاولات الإبداعية الجديدة، تشق طريقها بسهولة، بعد الرتابة التي وقعت فيها المشاريع الإبداعية السابقة التي اعتمدت على التاريخ المعروف والمشهور. وليس من الضروري أن يتحدث الشاعر عن الشخص الثالث دائمًا.
إنه قد يتحدث عن نفسه. فعندما نقرأ:
كنت حمالًا على باب زويله
حين مر الجند كالطاعون...
نعرف أن الأمر لا يعدو إيغالًا في أحقاب التاريخ لغاية مرصودة، ونلاحظ أن الأنتيكا التاريخية الوهمية، إنما تختار أعلامها من العامة، وما يطلق عليهم اليوم اسم"الكادحين".
ومثل هذا الاختيار يرمي إلى عدة مقاصد، لعل في مقدمتها إعادة النظر في التاريخ الرسمي الثقيل، فكثير من الشعراء يرفضون تاريخ السلالات الحاكمة، ويعتبرونه مزيفًا في معظمه، إن لم يكن كله. وفي اعتقادهم أن من الخطأ والزيف أن نعرف عصرًا بمعرفتنا فردًا، لا يجرؤ مؤرخ في زمانه أن يتحدث بغير رغائبه وأمانيه. ومثل هذه المشاريع الإبداعية تحمل في طياتها نوعًا من"المفاجأة"في تفسير التاريخ والنظر إليه، ولا شك أن الأنتيكا التاريخية الوهمية خير مساعد لأداء هذه المهمة. ولكن الشخصية المختلقة ليس لها أي دور خارج نظرة الشاعر. إنه يريد أن يقدم نظرة جديدة في"كذا"من التاريخ فيلجأ إلى هذه اللعبة التي تلفت الأنظار إلى الوقت الذي يكثر فيه تكرارها، وتشيع النظرة الجديدة في التاريخ، فيعود الشعر إلى المراوحة والتكرار.