فهرس الكتاب

الصفحة 6121 من 23694

وقد يلجأ الشعراء إلى طريقة أخرى، وهي إعادة النظر في الدور الذي قامت به هذه الشخصية أو تلك، فيقدمون إليك"اعترافًا"بما كان هذا أو ذاك من المشهورين المعروفين يفكر فيه، أو أنهم يفسرون ما قام به تفسيرًا جديدًا، فيه الكثير من الطرافة.

ومثل هذه المحاولة تستتبع أماكن وآثارًا وهمية، من أجل استكمال اللوحة التي يريد الشاعر رسمها. كما أنها تستدعي اختلاق أفعال وأعمال لا أساس لها.

على أن القراء لا ينخدعون كثيرًا بمثل هذه المحاولات، فمعظمها، إن لم نقل كلها، لا يقصد بها سوى إسقاط الماضي على الحاضر، لدحض حجة، أو تفنيد تهمة، أو توجيه إدانة، وقد لاحظت أن القارئ أميل إلى الأخذ بهذا الإسقاط، وإن لم يكن الشاعر قد تعمده أحيانًا. وبعض المحاولات لا تخلو أبدًا من الافتعال المتعمد الرامي إلى خدمة المشروع الشعري وإنجاحه.

وتكثر الكائنات الغريبة في مثل هذه المحاولات، لدفعنا إلى جو من الاكزوتية الخلابة التي تشحن مشاعرنا، وتهيئنا لقبول المشروع الشعري، والاقتناع به. وحتى لا يحاسب الشاعر فيما يقدمه، نجده يعمد إلى حذف الزمان نهائيًا في بعض الأحيان، كما أن المكان ليس له ذاك الوجود الجغرافي الحقيقي. فعندما تصادفنا كلمة"باريس"أو"دمشق"أو"لندن"... الخ فإن الأمر لا يتعدى الاسم. ولا يأخذ الشاعر من دلالة الاسم سوى ما ينوي إبلاغه للقارئ، من غير أن يأبه"تاريخيًا"لهذا المكان أو ذاك.

ومثل ذلك ما يصادفنا من البحار العجيبة والأنهار الغريبة، والغابات الوحشية والكهوف والغيران... إنها كلها من الماضي، من القديم، أي من قلب الاكزوتية الخلابة، التي تستثير الانفعالات. والمنزلق الذي قد يقع فيه بعض الشعراء هو الإكثار من ذكر تلك الأماكن من غير أن يتوخوا غرضًا فنيًا يخدمون به شعرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت