فهرس الكتاب
ولو نظرنا في الشريط الطويل المديد لمسيرة الأدب، لرأينا أن الشاعر قد يواجه الواقع مباشرة ويستلهمه، وقد يستلهم التعبير الأدبي عنه. وهذه قاعدة تسود جميع المراحل الأدبية تقريبًا. ولكن قد تمر مرحلة تطغى فيها مواجهة الواقع على استلهامه، وقد تمر مرحلة أخرى يطغى فيها استلهام التعبير الأدبي عن هذا الواقع. فلا نكران -إذًا- أن التراث الأسطوري والفولكلوري، معين ثر جدًا لاستلهامات الشعراء، وفي اعتقادنا أنه لا فرق بين الاثنين، إن لم نقل إن الأخير أثبت قدرة كبيرة على العطاء الملهم، وعلى أي حال فإننا نعتقد أن الأساطير والفولكلور تساوي الواقع البشري، من حيث التعبير عن التجربة الإنسانية. فلا يمكن والحالة هذه، أن نستهين بالوجه الآخر للواقع، وأن ننكر عليه قدرته على الإلهام والإيحاء, بل على العكس من ذلك، إذ نلاحظ شغفًا خاصًا بهذا التراث، أكثر مما نلاحظ استلهامًا للواقع. ومع أن مثل هذا التراث يساوي الواقع، إلا أنه يمتاز عنه بنقطتين هامتين: الأولى أنه تكثيف للواقع، أي نبذ لكل الركام الوقعي الذي لا ضرورة له، والثانية أنه يشتمل على جمالية معينة: قد تكون نابعة من الكثافة بالذات، أو من شكل الأداء التعبيري، أو من الرموز المستخدمة أو ما شابه ذلك.
فالأدب أجمل من الواقع. ولسنا في مجال عرض الأسباب الموجبة لهذه الجمالية.
كيف يتم استلهام التراث الأسطوري والفولكلوري؟ قد تتعدد الطرق، إذ قد تكون الرموز أو غيرها من العناصر التي يشتمل عليها هذا التراث. ولكن ثمة طريقتين بارزتين في هذا المجال، ترجحان على غيرهما.
الأولى: عندما يجد الشاعر في التراث صيغة تعبر عن تجربته وأحاسيسه تعبيرًا بعيدًا.