فهرس الكتاب
وفي هذه الحالة لا يعود إلى الواقع لاستلهامه والانطلاق منه، بل ينطلق من هذا التراث، ويستسلم لإلهاماته، من غير أن يكون ذلك نسخًا للتراث أو تقليدًا له. إنه استلهام كاستلهام الواقع سواء بسواء، فالتراث في هذه الحالة نقطة انطلاق وغاية نزوع.
الثانية: عندما لا يستطيع الشاعر التعامل مع الدلالات الواقعية المباشرة، وهذه الطريقة نابعة من الخوف الرقابي، فيعتقد الشاعر أنه بلجوئه إلى التراث الفولكلوري.
أو الأسطوري، يصل إلى مبتغاه من غير حرج ولا خوف. ولكن مثل هذا اللجوء محفوف بالمزالق، كالافتعال الفني، أو القصور التعبيري، أو المواربة التي تصل إلى حد الغموض، أو اختيار دلالات من التراث بعيدة عن التلميح إلى الواقع الذي يريد الشاعر أن يتصدى له.
أما النزوع الفني نحو التراث الأسطوري والفولكلوري، فهو عام، على ما يبدو.
إلا أن نسبة بروز الفنية التراثية في أساليبنا الحديثة تختلف من شاعر إلى شاعر، ولا أظن أن أحدًا يمكن أن يزعم أن الناحية الفنية تنجم عن العمل الشعري ذاته، وأن الشاعر لا ينتبه إلى توفير جمالية فنية لشعره، أثناء اندماجه بعمله. إن الشاعر لا ينسى لحظة واحدة أنه يجب السعي، بشتى الوسائل لتوفير جمالية خاصة. وهذا ما سنعود إليه بعد قليل.
إن التراث الأسطوري والفولكلوري ليس مستودعًا لحفظ تاريخ مجتمع ضارب في القدم فحسب، وإنما هو طريقة في التفكير والمعالجة الفنية. وحين يستلهم الشاعر هذا التراث، فإنه لا"ينقله"نقلًا، بل يندفع في التعامل مع الكون والحياة، وفق التنميط الأسطوري الفولكلوري. ومع ذلك فإن نقل الأساطير ليس مرفوضًا إذا توافرت له جمالية معينة.
4-التراث الديني: