فهرس الكتاب
يمتلك الإرث الديني سرانية أكزوتية، ولذلك يلعب دورًا على درجة كبيرة من الأهمية في الإلهام الشعري. ومهما كانت سريعة النظرة التي نلقيها على أي شعر في العالم، فإنها تطلعنا على أن التراث الديني لا بد من أن يطل بطريقة أو بأخرى، بصراحة أو باستتار، برموز أو بدلالات أخرى... ولا يقتصر التراث الديني في مكنوزه على دين واحد، بل إنك واجد تراثًا"عالميًا"للدين. فالبوذية والكونفوشية والزرادشتية واليهودية والمسيحية والإسلام، بعد كل هذه الأحقاب التي مرت عليها، تشكل تراثًا يتصل ويختلط في بعض أقسامه، وينفصل ويتمايز في أقسامه الأخرى. وبما أن التراث الديني يشتمل، في نهاية الأمر، على تجارب وخبرات إنسانية، فإنه يصبح مبعثًا لاستلهامات، وإطارًا فيه جاهزية التعبير الأدبي والفني. وباستثناء خصوصيات دينية لدى بعض الشعراء، فإن التراث الديني ملك مشاع. وإن آدم وقابيل وهابيل وحواء ويوسف وإبراهيم، ومحمد والمسيح، وبوذا، وزارا، ونوح وكل ما يتعلق بهم، من تفاحة آدم وحمامة نوح الحاملة غصن الزيتون، حتى المعراج والإسراء، إنما تشكل مرتكزات انطلاقية لكثير من الأعمال الشعرية. ولا ننسى ما فعله أدونيس، في أواخر أعماله الشعرية، من استلهامات دينية في قصيدته"إسماعيل"، فلم يروِ قصة، ولم يدع إلى مدعى، بل حقق مشروعًا شعريًا، على درجة كبيرة من الفنية.