فهرس الكتاب
إن التراث الديني يلعب دوره الهام والكبير في العديد من الميادين، لذلك لا يقتصر الاستلهام الشعري على ناحية واحدة، فأي ظاهرة دينية، لها أكثر من دلالة، فقد تكون نفسية واجتماعية وفنية ودينية معًا، وقد تقل عن ذلك حتى تكتفي بواحدة. فالمعراج، على سبيل المثال، يتخطى التخم الديني، إلى التعبير عن النزوع نفسي لدى الإنسان، إلى اختراق عالم الغيب، إنه التوق إلى المعرفة مهما كانت قداستها. وطريق الجلجلة ليس فقط واقعة دينية تاريخية، بل له مرموز إنساني عميق. وكربلاء ليست فقط حادثة تاريخية، وليست فقط حربًا دينية، فقد انخلعت عن محدوديتها، لتغدو رمزًا إنسانيًا شموليًا... وهكذا بحيث يمكن أن ندرج الكثير من الأحداث والأعلام والخوارق والعجائب، تحت رموز ومدلولات إنسانية عامة وشاملة.
وعندما نقول التراث الديني، فإننا لا نقصد الثقافة الدينية. إ ن الثقافة، بشكل عام، لا تصلح للاستلهامات. إنها تدعم المشروع الشعري كثيرًا، ولكنها لاتساعها، ولاحتوائها على كل شيء تقريبًا، فإنها لا تلعب ما يلعبه التراث الديني، الذي ارتفع إلى مستوى الشمولية، وبات جزءًا من التراث الإنساني. فالثقافة معرفة، والتراث الديني حاث كبير من الحواث الأخرى.
وعلى هذا، لا نكون أمام شعر"ديني"كالذي شاهدناه في بدايات أي دين من الأديان، وإنما أمام شعر إنساني فني عظيم، مع أننا لا ننكر خطورة التعامل مع التراث الديني، في الأجواء الشرقية المشحونة برواسب وحساسيات خطيرة. والأفضل أن يكون الاستلهام من تلك الأجزاء من التراث التي تشكل موقفًا شموليًا.