فهرس الكتاب

الصفحة 6129 من 23694

يختلف الشعراء في استلهام التراث الديني. ولا أدري إن كان بعضهم تنتابه عاطفة دينية خاصة، غير العاطفة الفنية، أو الإنسانية الشاملة. والشعراء الذين نقصدهم، هم أولئك الشعراء الذين لم ينذروا أنفسهم لحماية مقدسات الدين وألوهياته، أولئك الذين تستولي عليهم العاطفة الفنية قبل أي عاطفة غيرها. إن حب الجمال، في الفن الشعري، لا يعرف عندهم دينًا من دون دين، ولا يحابي طرفًا من دون طرف آخر. إن الشغف الجمالي يغدو لهم هداية، وليس مطية للدعاية. أما من دخلوا مشروعهم الشعري بيقينات دينية، فلهم منحى آخر، يختلف عما قلناه كل الاختلاف، وإن كان بعضهم يلجأ إلى نوع من المخاتلة والمواربة والتحايل والزخرفة والتمويه، للتمظهر بمظهر الشاعر"الإنساني"الذي جعل همه إنقاذ البشرية جمعاء. وقد عرفت عصور المسيحية نوعًا من هؤلاء، مثلما عرفت نوعًا من الشعراء الدينيين المتعصبين، الذين جاهروا بتكفير كل من ليس على دينهم، أو ملتهم. وعلى أي حال، فإن التراث الديني لن يعطيك أكثر مما يأخذ منك، إلا إذا كان الشغف الجمالي مشعالك في السراديب المظلمة.

وقد جرت العادة، في العصور التي سادتها النزعة الدينية، أن يجردوا الشاعر من شاعريته لمجرد مروقه من الدين، أو افتئاته عليه، أو كفره به، ولا ينصف هذا الشاعر إلا فيما بعد. وبالعكس تمامًا أيضًا، فبعض الناس يعتبر التصدي للمعتقدات الدينية فتحًا جماليًا فنيًا، واستلهام تلك المعتقدات بعدًا عن الجمالية الفنية، ويدخلون مصطلحات من غير ميدان الشعر، ليحكموا بها على فنية لا علاقة لها بها. ومن العجب أن تكون القصيدة الواحدة نهبًا لحكمين متناقضين كل التناقض. ولكن أيضًا يبدو أن الإنسان ما يزال مرتهنًا بكثير من التراثيات السابقة من ميادين غير الميدان الذي يجول فيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت