فهرس الكتاب
كثيرة هي أشكال الاستلهامات الدينية، حتى أن بعضهم لا يقف عند حدود الدين ومراميزه العريضة بل يتمسك بطائفته ومذهبه، مثل إيليوت، حيث يستلهم أدق منظورات الكثليك، منطلقًا منها في ريادة فنية أخاذة. ونعتقد أن مثل هذه الاستلهامات ليست مصادفة، ولا عبثًا. إن الشاعر في هذه الحالة، يرى موقفه منسجمًا مع الموقف الذي يستلهمه، ويتم التماهي بين الموقفين، في عمق ذاتي بعيد الأغوار في نفس الشاعر. ومثل هذا لن يؤدي إلا إلى موقف شعري، فالشعر، إن كان شعرًا حقًا، يمتلك أنامل سحرية، يحول كل شيء، مهما كان تافهًا، إلى مصلحته، فكم بالحري تلك التجارب الإنسانية الدينية العريقة.
5-التراث الشعري اللغوي:
وهو في جذوره التراث الأدبي الحقيقي، إنه التراث الذي قام بالدور الأول في خلق الشاعر. إن الشاعر يفتح عينيه على هذا التراث، لا ليوغل فيه، بل ليتعلم كيف به يوغل في شعر خاص. وضمن هذا الاستيعاب التراثي، يبدأ الشاعر في بناء شخصيته، وبزعمه أنه ذو كيان شعري مستقل. وقد أجريت"دردشة"عابرة، مع أربعة براعم، ادعوا جميعهم ولا استثناء، أن شعرهم يتمتع بشخصية مستقلة، ولا علاقة له بالتراث السابق. اطلعت على بعض أشعارهم، فألفيت معظمها مرتبطًا بالتراث الشعري الحديث، في حين أن القليل منها يستلهم، أو بالأحرى يقلد التراث القديم. وينشأ وهم الاستقلالية من كون الشاعر ناظمًا للشعر. فطالما أنه ينظمه فهو ملكه، له استقلاليته الخاصة. ولا يستفيق الشاعر من غفوة هذا الوهم إلا بعد انصرام فترة غير قصيرة. إن أي شاعر، كائنًا من كان، ينشأ ويتجول ضمن"قفص"التراث الشعري اللغوي.