فهرس الكتاب
ومثل هذه العملية تسير، في الأغلب على النحو التالي: يمسك الشاعر بالموقف، ثم يكثفه إلى أدق درجات التكثيف وحين يصل إلى أصغر ذرة من الكثافة، يعود القهقرى، ولكن بطريقة أخرى، حيث يبني على هذه الذرة موقفًا خاصًا به، يحمل الكثير من معالم فنه وشخصه، وإن تفاوتت الدرجات بين شاعر وآخر، فبعضهم يتماهى في الموقف على حساب ذاتيته، وبعضهم يتماهى في الموقف ليجر هذا الموقف نحو ذاتيته، فتطغى الشخصية عندئذ طغيانًا شديدًا، من غير أن يكون ذلك بالضرورة على حساب فنية المشروع الشعري.
ويتم الاعتراف بنقل الملكية هذه، حين يثبت الناقل قدرته على تقديم ذاك الجزيء، بطريقة مختلفة عن الهيكلية العامة التي كان يشغل دورًا ما فيها. وكثيرًا ما نسمع الآن زيدًا من الناس، ليس بشاعر، لأنه استلهم هذه الناحية أو تلك من الأدب الغربي، أو غير الغربي، ويعتبرون ما جاء به مفتعلًا، مع أن الحقيقة أن الشاعر حين يتوحد بناحية من النواحي، إنما يفعل ذلك لأنه وجد فيما يهفو إليه شيئًا من نفسه. ولذلك يقوم بنقل الملكية.
يضاف إلى ذلك أن الأدب لا يأتي هكذا، مجردًا، مطلقًا، إنه يدخل أبوابنا بثوب لغوي واضح، لهذا الثوب اللغوي إيقاع خاص، يترك راسبًا كبيرًا في النفس، ومقياسًا خاصًا بإيقاعه في الأذن. وخير دليل على ذلك، أننا في بعض الأحيان، نحظى بفكرة، نظنها طريفة نادرة، ونسرع إلى التعبير عنها، فنلاحظ أن قسمًا كبيرًا من التعبير اللغوي، قد تسرب إلى لغتنا من لغة غيرنا، شرقية أو غربية لا فرق، فنروح نعبر عن فكرتنا بثوب من غيرنا. فعلى أي شيء يدل هذا؟ إنه يدل:
آ-على أن الفكرة مستلهمة من الإيقاع اللغوي المختبئ في لا وعينا. فكثير من الأفكار تخطر على البال، بشكل فجائي، فلا نعرف في بادئ الأمر من أين انبثقت، ولا كيف تفجرت. وحين نباشر عملية التعبير اللغوي، نلاحظ أننا نلبس الفكرة ثوبًا مستعارًا.