فهرس الكتاب

الصفحة 6134 من 23694

أتينا على أهم تجليات التراث، وليس عليها جميعًا. ومن هذه التجليات نجد أننا محاطون بالتراث، من جميع الجهات تقريبًا. ويكفي أن ندقق فيما يسمونه"اللغة الأم"، اللغة الوطنية الشعبية (Vernacular) حتى ندرك أي خضم تراثي نحن فيه. وحين نتكلم عن الحداثة، لا بد أن نضع في حسباننا هذه المسألة جيدًا. فالحداثة، مهما ادعينا من أمرها، تظل ضمن نطاق معين. إنها لا تستطيع التخلص من الكثير من التجليات التراثية. إن كل ما يمكن ادعاؤه، أن الحداثة تشغل حيزًا ما، في رقعة الشعر. أما الحيز الأكبر فهو للتراث.

ولا شك أننا نقع في وهم الحداثة، إذا اعتقدنا أن الوقوف في الضفة الأخرى يعني ما يعنيه من مفهوم الحداثة. فمناهضة التراث أو الوقوف موقفًا ضديًا منه، أو إعادة تفسيره، أو التركيز على الجوانب القلقة والغامضة... لا تقدم للحداثة إلا مجالًا ضيقًا. إن المواقف السابقة من التراث تظل في فلك التراث واستلهامه، ونصيبها في ذلك يفوق نصيب الحداثة. وكثيرًا ما نسمع بادعاء الحداثة لدى من ظهرت لديهم هجومات حادة نزقة ضد التراث. إن المرء، في مثل هذه الحالة، يضطر إلى التوقف طويلًا لفرز الخط الذي أصابته الحداثة في هذا المجال.

وبناء على ذلك، فإن"القديم"، وليس التراث وحده، ولا"الكلاسية"وحدها، يلعب دورًا كبيرًا جدًا في مسألة الإبداع الأدبي. إن الالتفات إلى القديم، من آثار وأماكن وشخصيات وأحداث تاريخية أو موهومة، وغير ذلك من الأمور التي أتينا على ذكرها، والتي لم نأت على ذكرها، ليس سمة للمذهب الكلاسيكي الذي ساد أوروبا فقط، بل إنه سمة لمعظم المذاهب الأدبية، من رومانسية ورمزية وسيريالية. وحتى الواقعيون يجدون أنفسهم، في شعرهم ورواياتهم، عن قصد أم غير قصد، في أماكن عتيقة، أو يذكرون شخصيات عريقة، أو يستعيدون حادثة من الأزمان السحيقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت