فهرس الكتاب
ويتحدثون بقصص عن لجوء الناس والوحوش إلى هذه الأمكنة. وكانت الوحوش إذا أوت وجدت إنسانًا قد سبقها، آنسته وأنست به. وسمعت بعض الأقاصيص التي تدور حول بائع زيت داهمته عاصفة ثلجية، فمات جحشه، فحمل زيته وأوى إلى المغارة. وبعد قليل داهمه ذئب، ولا مفر أمامه، فاستسلم للذئب، واعتقد أن ذئبًا جائعًا، في ليلة عاصفة، لن يوفر فريسة سائغة. لكن الذئب، الذي خاف هو الآخر من بائع الزيت أو الأمر، فلما رآه مستسلمًا أنس به، مما جعل بائع الزيت يبحث له عن طعام، فشاركه طعامه.
ويمكن أن نوسع حكمنا ليشمل كل الأماكن المظلمة والمقابر، والوديان، والغابات الكثيفة والأدغال. في حين أن الأماكن المنكشفة والواضحة، والبيوت الحديثة لا تعني شيئًا أبدًا. وقد حاولت جمع بعض الحكايات عن جبَّانة (مقبرة) القرية، فسجلت أكثر من خمسين حكاية، بينما حديقة قريبة من الجبانة، ولكنها بسيطة ومنسقة، والشمس لا تتركها من الصباح إلى المساء، لم يذكر أحد أي حكاية عنها.
إذا لم يكن ثمة ما ينقض كلامنا، أمكننا القول إن القديم يقوم بعملية الهام، لا لتاريخيته وإنما لغموضه وعدم انكشافه تمامًا للناس، أي لامتلاكه سرانية منغلقة... لماذا؟.. لماذا الليل يخيفنا والنهار يؤنسنا، مع أننا نكون في مكان واحد ليس فيه أي جديد؟ لماذا الأدغال والكهوف ومنعرجات الجبال والوديان السحيقة، تدخل الروعة في نفوسنا، في حين لا نشعر بشيء من هذا في السهل والمنبسط والحديقة والحقل؟ لماذا ساحة الكنيسة تخيفنا، وساحة القرية تؤنسنا؟ لماذا كل هذه الخشية مع أننا ذوو عقول"علمية"، والسيطرة البشرية على الحيوانات الضارية باتت من الشدة بحيث لم يعد في المنطقة أي حيوان ضار؟