فهرس الكتاب
مثل هذا الالتفات إلى"القديم"و"الغامض"، وكل قديم غامض بحد ذاته، جعل القديم مركز إشعاع إبداعي لا يجارى. ورغم كل ادعاءاتنا المنتفخة بالحداثة، يظل القديم ركنًا أساسيًا. ولكن أي قديم هذا؟ هل ما يبعد عنا مئات السنين، أم آلافها؟
إن بعض المبتكرات والمخترعات الحديثة، يزيد عمرها على مئتي عام، كالقاطرة مثلًا، ومع ذلك فإن قدمها الزمني هذا لم يرفعها إلى درجة كهف أحدثه انهيار قبل عامين فقط.. ترى لماذا؟
ربما سولت لنا أنفسنا تعليل ذلك بالقول إن القاطرة واضحة، والكهف غامض مظلم، أو أن القاطرة من صنعنا، والكهف من صنع الطبيعة. إلا أن مثل هذا التعليل يتهافت حين نجد السيف، وهو من صنع اليد البشرية أيضًا، مستلهمًا في الشعر، على حين لم يذكر أحد الصاروخ، الذي فيه من العجائبية أضعاف ما في السيف والكهف. فلا نظن أن الأمر مرتبط بصنعنا أو صنع الطبيعة.
ليس هذا التعليل مقبولًا، ويمكن أن نعدد تعاليل أخرى أيضًا غير مقبولة. فما السر الكامن وراء"إبداعية"القديم، وخبو أي إبداعية في الأشياء الحديثة، على الرغم من أن بعضها يضاهي القديم في السرانية والغموض، والعجائبية، لدى الشعراء على الأقل، لضآلة إطلاعاتهم العلمية؟
لنرجع قليلًا إلى الوراء، وهذا"القليل"يقارب المرحلة الأولى لظهور الإنسان، أي حوالي نصف مليون سنة فقط، يومها لم يكن يقطن الجزر البريطانية أكثر من مئتي نسمة.
في ذلك الزمن كان الاتجاه قد حسم. إن ما في الخارج ترك ميسمه في التركيب البنيوي للإنسان. المعلومات الأساسية في الخارج انطبعت في شيفرة الخلية، وتحدد طريق كل نوع من الأنواع الحية. إن الماعز أو الضأن الذي عمره شهر فقط يهرب من وجه الذئب، بينما لا يهرب من الكلب (إذا افترضنا أن الكلاب كانت مدجنة في تلك الأيام) .