فهرس الكتاب

الصفحة 6138 من 23694

وباكتمال البنيان الجسدي للإنسان، وهو بنيان لا يختلف كثيرًا أبدًا عن بنيان الإنسان الحالي، كانت البيئة قد دخلت الجسد البشري، أو بالأحرى حتى لا نسيء التعبير نقول كانت البيئة قد فرغت من تكوين الجسد البشري، الذي احتفظ بكل الانطباعات عن البيئة. فمثلًا الخوف من الظلام كان ضروريًا للإنسان، فانطبع فيه هذا الخوف. واليوم نعيش في المدن آمنين مطمئنين. ولكن هب أنك في شارع تعرف معالمه كما تعرف قوافي القصيدة، وانقطع التيار الكهربائي فجأة، ولم يبق متصلًا بك سوى الأصوات المختلفة المترددة. إنك تشعر فجأة بنوع من الخوف والخشية على الرغم من يقينك المؤكد من الشارع. من أين جاءك هذا الخوف؟

ودرجة الخوف هذه تتضاعف كثيرًا في بقية الأماكن كالأقبية والمقابر والكهوف والغابات، مهما كانت وسائل الأمان متوفرة.

وورثنا الكثير من هؤلاء الأسلاف، ورثنا الخوف من المرتفعات (أكروفوبيا) والخوف من الأعماق (الباثوفوبيا) والخوف من الأماكن المفتوحة (الأغورافوبيا) والخوف من الأماكن المغلقة (الكوسترافوبيا) بيد أن هذه التركة لم تقسم بين الورثة قسمة متساوية، وهذا يرجع إلى قوانين الوراثة، تلك القوانين الشائكة التي يحكمها ضدان متنابذان:

الضرورة والمصادفة. فليس من الضروري اليوم أن يصاب فرد بالاكروفوبيا أو الباثوفوبيا أو الأغورافوبيا أو الكلوسترافوبيا أو أي خوف آخر، بالنسبة ذاتها التي يصاب بها فرد آخر، فالنسب مختلفة ومتباينة. والملاحظ أن ثمة نوعًا من التوازن، فمن لا يخاف من المرتفعات يخاف من الأعماق والعكس بالعكس، وذلك بحسب نسب المورثات التي يمتلكها، والتي كانت من نصيبه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت