فهرس الكتاب
ومثلما ورثنا مثل هذه المخاوف بنسب متفاوتة بين فرد وآخر، ورثنا أيضًا التعلق بالقديم وتقديسه، وإن لم يكن التعلق لتقديسه فلاحترامه أو الحنين إليه أو الإعجاب به، أو ما شئت من تصنيفات هذه الأنواع من التعلق. هذه الالتفاتة إلى الوراء ليست كالتفاتة أورفيوس. إنها التفاتة ضرورية لاستمرارية الحياة وكينونة الإنسان. وحتى نتأكد من ذلك نلجأ إلى الافتراضات. لنفرض أن كائنًا ما لم يرث هذا التعلق بالماضي.
ماذا يترتب على ذلك؟ إنه عندئذ لا يعرف سوى نفسه، ويغدو منبتًا عن كل ما يقف وراءه. إنه لن يتعلق بأمه وأبيه ولا بجده وذويه، ولا يشعر تجاههم بأي عاطفة. ولو عممنا ذلك على أفراد النوع، لحكمنا على هذا النوع بالانقراض، لأن فقدان هذا التعلق يعني تمامًا دخول أفراد النوع بعضهم مع بعض في صراع مميت، لن يبقي على أي فرد. وسوف ألفت نظر القارئ إلى أن بعض الأنواع قد انقرضت بسبب فقدان مورثة التعلق بالماضي، مثل الديناصور والماموت. ويمكن أن نجد حتى اليوم، بعض الظواهر التي تدل على فقدان هذه المورثة. لنلاحظ القطط. نجد بعضها رؤومًا على أبنائه، ولكن أحيانًا نلاحظ هرة تلتهم أبناءها بمجرد أن ترى النور. إن الهرة التي تلتهم أبناءها فور ولادتهم هي الهرة التي فقدت مورثة التعلق بالماضي. ومن جهة أخرى نلاحظ لدى بعض أنواع الكائنات بروز هذه المورثة إلى درجة كبيرة، فالنحلة تعرف زميلتها التي تعيش معها في خلية واحدة. والنملة تعرف صديقتها في الوكر الواحد. وكل مجموعة تدافع عن أفرادها ضد المجموعات الأخرى دفاعًا مميتًا. فإذا افترضنا أن مثل هذه المورثة قد تلاشت من النحل أو النمل، فإن مثل هذه الأنواع سوف تتلاشى بعد جيل واحد فقط. إن أي انبتات في الماضي يعني فقدان كل المعلومات والمعارف السابقة التي يورثها الجيل السابق للجيل اللاحق. والويل للنوع الذي لا يتم فيه مثل هذا التوريث.