فهرس الكتاب
إنه يحكم على نفسه بالدمار. إن فقدان هذه المورثة يعني فقدان كل ما يصلنا بالماضي، إذ يموت كل ماض ولا يعود يحرك فينا أي شغف أو تعلق أو حنين أو شفقة أو إعجاب... إن الماضي لا يعود يعني لدينا أي شيء.
يلاحظ القارئ أننا في أدبياتنا نربط ربطًا محكمًا بين الهجرة والحنين. ولعل أولى سمات أدبنا المهاجر ذاك الحنين الفياض الذي يتصدر كل الإنتاج الأدبي المهاجر تقريبًا.
وإذا كان هذا الحنين قد ظهر لدى العرب المهاجرين، بمثل هذه الشدة والفوران، فإنه لم يظهر لدى غيرهم من مهاجري الشعوب الأخرى. فالمهاجرون في الأمريكيتين ليسوا عربًا فقط. إنهم من جميع الأجناس. ومع ذلك لم نسمع نغمة الحنين تصدح في إنتاجهم الأدبي. ويبدو أن العرب ما زالوا يحتفظون بمورثة التعلق بالماضي أكثر من غيرهم، فهم لم يندمجوا في المجتمعات الجديدة، بالسرعة التي اندمج فيها غيرهم، ولا شك أن للأجيال اللاحقة في المهجر قصة غير هذه القصة. ولكن غير العرب سرعان ما اندمجوا في المجتمعات الجديدة ولم يعد وطنهم يعني لديهم شيئًا. وقد عرفت شخصيًا بعض المهاجرين العرب، وهم قلة قليلة جدًا، لم يعد وطنهم يهمهم، بقدر ما يهمهم تيسير أمورهم العاجلة. إنهم لا يشعرون تجاه وطنهم بشيء من الحنين أو التعلق، ولا يتواصلون حتى مع أقرب أقربائهم. ولا شك أن توالي الأجيال سيجعل هذه المورثة من جملة المورثات المثبطة، في حين تنشط بالمقابل مورثات أخرى.