فهرس الكتاب
على الرغم من النقاش الدائر حول الصفات المكتسبة والصفات المورثة، فإنه بات ثابتًا أن ما ينتقل، ليس فقط المورثة، بل المكتسبة أيضًا، شريطة أن تكون المكتسبة ذات نفع مباشر، أي أن لها وظيفة ضرورية. فلو قطعنا أذناب الفئران لعشرين جيلًا، لجاء الجيل الحادي والعشرون بأذناب إذ أن للذنب وظيفة ضرورية. ولكن أحيانًا نجد أن المكتسب يتأصل مثل المورث. فالبقرة على سبيل المثال حيوان نباتي، ولكنها حالما تضع تسرع إلى المشيمة وتلتهمها. وسوى التهام المشيمة عقب الوضع، لا تأكل أي شيء لحمي.
والسبب في ذلك يرجع إلى أنها، في قديم الزمان، كانت تضع ولا تأكل المشيمة، فتتعفن هذه المشيمة، فتشم الوحوش الرائحة، فتسعى نحوها وتكون النتيجة افتراسها وافتراس رضيعها، ومع الزمن صارت البقرة تأكل المشيمة لتأمن غزو الضواري، وبذلك حافظت على نوعها. وعلى الرغم من مرور أجيال، والبقرات تربى في مكان مضمون وفي حظائر مدروسة صحيًا، فإنها ما تزال تسرع إلى التهام المشيمة، إن لم يبعدها عنها الطبيب البيطري ويتخلص منها. أما التساؤل فيما إذا كانت هذه الصفة ستستمر إلى أبد الآبدين فلا أظن الإجابة سهلة، ولكن الأرجح أن تتلاشى وتزول، أما متى؟ فلا أحد يعلم.