فهرس الكتاب

الصفحة 6143 من 23694

ولا يذهبن بنا الاعتقاد إلى حد حصر المحافظة والتجديد ضمن نطاق الأدب ولعبة الأسلوب. إن القضية أبعد من ذلك بكثير. إنها تمتد إلى الفنون التشكيلية والثقافة والفكر والأيديولوجيا والفلسفة. ومن أطرف المذاهب التي اطلعت عليها في الفن والأدب، مذهب"الكلوكوتريسم"في يوغسلافيا، وقد قابلت بعض أنصاره في بلغراد، وشرحوا لي مذهبهم، أو بالأحرى حركتهم التي تقوم على رفض كل ما هو قديم إطلاقًا، وعلى تحطيم الحدود بين الفنون، ففي لوحة واحدة تجد الرسم والنحت والأدب، ويستخدمون الوسائل السمعية في الشعر إلى درجة بعيدة. وقد تمتد نزعة التجديد فتشمل السلوك الاجتماعي.

وفي فرنسا، كما في كثير من الأصقاع الأوربية، أجيال جديدة، تنحو في السلوك الاجتماعي منحى جديدًا، مخالفًا لكل الأعراف والتقاليد.

وقد عكست الأساطير الثنائية الضدية التي تمتلكها الجبلة البشرية. ويمثل الإله الروماني جانوس هذه الطبيعة الثنائية، فهو إله ذو وجهين، الأول ينظر إلى الماضي والثاني ينظر إلى المستقبل. وقد منحه هذه الطبيعة الإله ساتورن مكافأة له على استقباله إياه حين طردته الآلهة من السماء. ولو تفحصنا المذاهب والأديان والفلسفات والمدارس الفكرية لوجدناها جميعًا تقريبًا بوجه جانوس. إن كل مذهب، أو كل دين، أو كل فلسفة، أو كل منزع يدعي التكامل، يحاول إقناعنا أنه السنة الطبيعية التي تسير عليها البشرية منذ بدايتها، ولذلك فإن صورة المستقبل لن تكون إلا كما يرسمها هو. فالدين المسيحي -على سبيل المثال- يرجع إلى آدم. والمستقبل الذي ينتظر البشرية هو المستقبل الذي يرسمه هذا الدين. وكل انقسام في هذا الدين أو كل تجديد، مضطر بالتالي أن يثبت هذين البعدين في دعوته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت