فهرس الكتاب

الصفحة 6144 من 23694

والملاحظ أن المذاهب التي لا تنحو هذا المنحى، لا تصمد كثيرًا، وغالبًا ما تتحول إلى"تقليعة"عابرة. فالحركة الهيبية حركة رافضة، كادت موجتها أن تطغى عالميًا، ولكنها سرعان ما تراجعت، نتيجة عدم تمكين جذورها في الماضي، مما أفقدها العراقة. والناس دائمًا يسعون إلى الأصول العريقة قبل سعيهم إلى قبول الموجة الرافضة.

بعد هذا الفاصل الاعتراضي، نرجع إلى موضوعنا الأساسي، ونتساءل: هل الأشياء القديمة جميلة بحد ذاتها؟

لا شك أن بعض الأشياء التي توافرت فيها عناصر الفن تحوز قسطًا وفيرًا من الجمال، فالإلياذة مثلًا جميلة بذاتها، لما اشتملت عليه من فن ملحمي أخاذ. يضاف إلى ذلك أن قانون الندرة يلعب دورًا كبيرًا في هذه الناحية. فلو افترضنا أن الفن الملحمي استمر -وهذا شبه مستحيل- هل تحتفظ الإلياذة بمثل هذا البريق الأخاذ؟ على أي حال، ليست الندرة ذاتها بعيدة عن الفن.

ولكن ثمة أشياء لم يتدخل الإنسان في خلقها، كالتي أشرنا إلى بعضها، مثل الغابات والأنهار والكهوف. هل هي جميلة لعراقتها؟ لا نظن ذلك، ففي هذا العصر التكنولوجي يمكن خلق أشكال في الطبيعة أوفى كمالًا وجمالًا من الأشياء التي ظلت بعيدة عن ملمس الإنسان. وقد يقال إن ما ينتجه، أو ما يفعله الإنسان في الطبيعة مصنَّع. ومهما كان الجمال مصنَّعًا، فإنه يظل أدنى من الجمال الطبيعي. ويمكن الرد على ذلك بأن الإنسان في هذا العصر بات قادرًا على جعل المصنَّع يبدو طبيعيًا إلى أبعد حد. ولكن أيضًا عندما نقوم نحن بتقديم إنتاج أدبي عن أشياء قديمة، أو حتى عن أشياء حديثة، إنما نخلق جمالًا صنعيًا، إلى هذه الدرجة أو تلك. ومع ذلك تشتهر الآثار الأدبية، ويشغف الناس بها، أكثر مما يشغفون بما تحدثت عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت