فهرس الكتاب
إن مثل هذا الطرح قديم قدم الوعي الفلسفي تقريبًا، ففي المذاهب والمدارس اليونانية نجد الخلاف شديدًا حول مسألة الثابت والمتغير، والقيم الجمالية، والتقليد والتجديد. ومن الغريب حقًا أن يطرح فيلسوف مثل الكساغوراس قضية"الذرة"التي تشتمل في تكوينها على كل العناصر الموجودة في الكون، وحين تنشط عناصر معينة يحدث التغيير، ويكون هذا التغير مرتبطًا بطبيعة العناصر السائدة، فإذا خملت هذه العناصر لسبب أو لآخر، نشطت عناصر أخرى، وهمدت العناصر التي كانت من قبل ناشطة، فيتم التغير من جديد، لأن الذرة في تفاعل ذاتي من جهة، وفي تفاعل مع الكون من جهة ثانية، وهذا ما يجعل التغير محتومًا. وعندما تتغير فاعلية العناصر بحيث تنشط عناصر معينة، تتغير نظرة الإنسان تبعًا لتلك العناصر الناشطة. ولو استبدلنا"الذرة"الانكساغوراسية بالخلية، و"عناصر"تلك الذرة بالمورثات، لما تغير شيء من حيث النظرة، وإن كان الأمر مختلفًا بينه وبين العلم الحديث، الذي يتغلغل أكثر فأكثر في دقائق حياتنا، ويفسر لنا ما كان يعتبر سحرًا خالصًا. كما يفسر لنا ما كان عرضة للأخذ والرد والتأويل. ويمكن أن نشير في هذا الصدد إلى إمكانية تفسير تعلق الأبناء بالآباء تفسيرًا مقنعًا. من غير اللجوء إلى عقدة أوديب أو عقدة اليكترا. وليست عودة أوديب إلى وطنه إلا استجابة للحنين إلى الماضي، إلى الجذور، كما أن انتقام اليكترا ليس إلا تمسكًا بالجذور التي لا تريد أن تتخلى عنها. وإذا كنا نعتمد على هاتين العقدتين، أو على غيرهما من العقد، من أجل تفسير التعلق بالماضي، فإن الأمر متعذر في عالم الحيوان، حيث لا عقد ولا كبت ولا حرمان، ولا رقيب اجتماعي، ولا قوانين قمعية، ولا غير هذا وذاك. ومع ذلك فإن تعلق المهر بالفرس ليس بسبب العقدة الأوديبية.