فهرس الكتاب

الصفحة 6147 من 23694

وحين يكبر المهر يهجر أمه، تمامًا كما يفعل الأبناء، أو معظم الأبناء الذين لا يتعلقون بأمهاتهم، بل إن بعضهم يجدهن عبئًا، فيحاولون الخلاص منهن، بالانتقال إلى مكان سكن مستقل، أو ينقلن هن إلى منزل آخر. وإذا كان ثمة من فرق بين فرد وآخر، من حيث الدرجة، فإن ذلك يرجع إلى أن المورثات لا تكون على درجة واحدة من الفاعلية، إنها تتأرجح من التعلق الشديد الأعمى، إلى الهجران أو الكراهية، بحسب طبيعة الفرد من جهة، وأمه من جهة ثانية، والظروف التي فيها تتم العلاقة الاجتماعية، وغير ذلك من العوامل التي لا يسمح لنا المجال بالتطرق إليها. وعلى أي حال، فإن معظم العقد التي تعرض لها وعرضها علماء النفس، تدخل في باب ميل الطبيعة البشرية إلى التطرف في هذه الناحية أو تلك، سلبًا أو إيجابًا. ومن هنا كان حديث هؤلاء العلماء يدور حول"المرضى"وليس الأصحاء. والسؤال الكبير الذي نواجهه هو هل البيئة الاجتماعية وحدها المسؤولة عن العلاقات الشائعة في المجتمع؟ ألا يمكن أن يتباين فردان كل التباين وهما من بيئة واحدة؟ ألا يدفعنا هذا إلى البحث عن"تاريخ"هذا الجسد؟ وعندما نقول التاريخ فإننا نعني ذلك التفاعل الشديد الذي تم بين الجسد والبيئة، والذي يتم الآن، وسيستمر في المستقبل. ورصد التغيرات التي تحدث في البيئة الاجتماعية، لا يعفي من البحث عما يتم في المرجل التكويني للجنس البشري. وعندما ندرس التجمعات التي تبدو لنا في هذا النوع الحيواني أو ذاك، فإننا نسرع مباشرة إلى دراسة التكوين البيولوجي للحيوان بغية الاستهداء إلى هذه العلاقات المتبدية في تجمعاته، أما في المجتمع البشري، فإننا كثيرًا ما نخطئ ونسير في التيار المعاكس، فندرس العلاقات الاجتماعية، من غير أن نولي الاهتمام الكافي لدراسة المرجل التكويني لهذا النوع من الكائنات الحية الراقية التي لو عدنا إلى تاريخها لعرفنا الكثير عن أسباب تصرفاتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت