فهرس الكتاب
عرف عن شاعرنا إسماعيل أنه كان"مبتلى بالعصبية للعجم والفخر بهم" (32) ، وروى أبو الفرج أنه كان"شعوبيًا شديد التعصب للعجم، وله شعر كثير يفخر فيه بالأعاجم" (33) ، وكان إسماعيل أشد اخوته انغماسًا في هذا التيار الشعوبي في العصر الأموي، ويبدو أنهم جميعًا قد ورثوا هذه النزعة من أبيهم يسار، وهذا ما كشف لنا عنه إسماعيل نفسه حين استأذن مرة، وقد وقف على باب الغمر بن يزيد بالشام، فحجب عنه ساعة، فلما دخل راح يبكي بحرارة، فلما سأله الغمر عن بكائه أجاب:"وكيف لا أبكي وأنا على مروانيتي- أي تعصبه لمروان وآله- ومروانية أبي أحجب عنك (34) ، فجعل الغمر يعتذر إليه وهو يبكي فما سكت حتى وصله الغمر بجائزة كبيرة، فلما خرج سأل بعضهم عن هذه المروانية فقال:"بغضنا إياهم، امرأته طالق إن لم يكن يلعن مروان وآله كل يوم مكان التسبيح، وإن لم يكن أبوه حضره الموت فقيل له: قل: (لا إله إلا الله) فقال: (لعن الله مروان) ، تقربًا بذلك إلى الله تعالى، وإبدالًا له من التوحيد وإقامة له مقامه" (35) . ولم يكتف إسماعيل بشعوبيته هو بل إنه غرسها بالتربية والنشأة في نفس ابنه إبراهيم، وكان شاعرًا كما رأينا من قبل، غير أن أبا الفرج لم يرو له غير بيتين من قصيدة وصفها بقوله:"وهي طويلة، يفتخر فيها بالعجم، كرهت الإطالة بذكرها" (36) ."
يتضح لنا من ذلك أن آل يسار، على وجه العموم، كانوا يحملون في أنفسهم ذكريات حية عن ماضي قومهم من الفرس بما كان عليه من دولة وسلطان وعظمة ومجد، وكانوا -في الوقت نفسه- يعبرون، دون خشية، عن فخرهم بهم وبماضيهم، وكانوا يجعلون هذا الفخر وسيلة خطيرة للطعن في ماضي العرب إذا ما قورن بماضي قومهم، وقد نقلت لنا المصادر خبر قصيدتين شعوبيتين تنسبان إلى إسماعيل، يقول في أولاهما (37) :
إنما سُمِّي الفوارس بالفِّرْ
ثم يعيِّر العرب فيها صراحة بوأد البنات في جاهليتهم ويقارن ذلك بصنيع الفرس فيقول (38) : ... ن سفاهًا بناتكم في التراب