فهرس الكتاب
ولعل عناصر الاضحاك في صورة المهجو، وقد سمع مديح إسماعيل له، تتلخص جملة في هذا التغير الآلي للون الممدوح من اللون الطبيعي إلى الاصفرار الذي يرمز إلى شدة الشح والبخل والحرص، وفي هذا الإعراض والتجاهل الذي يتناقض، في الحقيقة، مع واقع الحال، إذ لا يمكن لصديق أن ينكر صديقه مهما طال بينهما الفراق، مما يدلك على أحد أمرين: الأول أنه يفتعل هذا الإنكار افتعالًا، والثاني أنه أصيب بفقد ذاكرة لم يعد يتذكر الأشخاص الذين كان يعرفهم في الماضي، والعنصر الثالث هو هذا العبوس الذي حل عليه فجأة وهذه الحركة الآلية من اصطكاك أضراسه بعضها ببعض وكأن قشعريرة عنيفة سرت في جسده فجأة لما سمع بحاجة الشاعر.
ويختم إسماعيل هذه الأبيات بسؤالين وجه أحدهما إلى أهل الرجل ليعرف إن كان به داء كزاز اعتراه فجعله على هذه الحال، والآخر إلى صاحب كان معه ليعرف إن كان سيظل حيًا إلى المساء أم لا، وقد قام الشاعر وصاحبه من فورهما، وقد خرجا بخيبة فيما سألا، وبغنم عظيم حين تخلصا بقيامهما من ورطة كبيرة هي اتهامهما بقتل الرجل إن مات من مغبة سؤاله تلك الحاجة، إذ كانا يُعدان مسببين لوفاته فتلحق بهما الحدود. فإذن انقلبت هذه الخيبة إلى غنيمة تتمثل في النجاة بنفسيهما من تهمة التسبب بوفاة شخص، وهذه كلها مجموعة من المفارقات كانت وراء إثارة الضحك من هذه الحادثة، وكان إسماعيل بارعًا في سخريته وفي دقة رسم المواقف والصور التي جعلت من الممدوح مهجوًا مثيرًا للشفقة والضحك في آن واحد.
القسم الثالث- نشاطه الشعري
بواكيره الشعرية
فسرنا انقطاع إسماعيل في الحجاز إلى آل الزبير عامة إلى عروة بن الزبير خاصة بأن موهبته الشعرية قد تفجرت ينابيعها في بداية خلافة ابن الزبير في الحجاز، ثم نمت وترعرعت في ظل هذه الخلافة حتى استوت على سوقها قوية نشطة.