فهرس الكتاب
وفي ظني أن هناك عدة أسباب، اجتمعت فكانت سببًا في خمول ذكر ديك الجن وضياع شعره أو تضييعه. فانتماؤه إلى الحزب السياسي المعارض، حزب الشيعة، ومواقفه المتهتكة من المجتمع وقيمه الأخلاقية والدينية، وجرأته في الجهر بمعتقده ومواقفه؛ وفاجعته المأساوية بورد وما خلفته في نفسه من صدوع، ثم ما يحفل به شعره من مجون وتمرد وجرأة على القيم؛ هذه الجرأة التي كانت سببًا لاتهامه بالزندقة والإلحاد، حتى قال صاحب كتاب ديوان المعاني:"ومن كلام الملحدين لعنهم الله" (10) ثم أورد قول ديك الجن:
هي الدنيا وقد نعموا بأخرى
فإن كذبوا أمنتَ وإن أصابوا ... فإن المبتليك هو المعافي
وأصدق ما أبثك أن قلبي ... بتصديق القيامة غير صاف
ولكن هل تمنع هذه الأسباب مجتمعة وجود ديوان للديك؟ في رأيي أن لا. وقد وصلتنا دواوين لشعراء من معاصريه، ومن هم في طبقته الشعرية أو دونه مرتبة، بل إن بعضهم يفوقه فيما اتهم به من كفر أو الحاد أو زندقة، أو انضواء تحت لواء المعارضة السياسية لبني العباس؛ ولقد دفع بعضهم حياته ثمنًا لهذه التهم. وليس الناس جميعًا في عصره من الأتقياء، أو من أنصار العباسيين، بل إن لكل شاعر أنصاره ومحبي فنه ولونه الشعري. ... واحدًا في الندى بغير شريك
وقد كان لديك الجن من يحب فنه وينقل عنه. وحسبنا ما يرويه ابن عساكر على لسان سعيد بن يزيد الحمصي، قال:"دخلت على ديك الجن، وكنت أختلف إليه أكتب عنه شعره" (11) . فهل كتب سعيد هذا شعر الديك كاملًا؟ وإذا لم يكتبه كاملًا، ولم ينظمه في ديوان مستقل- وهو فيما يبدو من كلامه من المشتغلين بالأدب- فأين مخطوط القصائد التي كتبها؟
إننا لا نعثر في ديوانه المجموع إلا على النزر من القصائد المتكاملة، وأما ما تبقى فمقطوعات أو أبيات متفرقة في كتب الأدب والنقد؛ ويدل سياقها على أنها أجزاء من قصائد كاملة، وهذا يدل على غزارة شعر الديك، هذه الغزارة التي لم يصل إلينا منها إلا نيف وثمانمائة بيت.