فهرس الكتاب
الخبير بأسلوب القرآن الكريم، يرى أنه إذ يربط وقائع ماضي البشرية، بأحداث حاضرها، إبان نزوله، ليستحضرها في أذهان المؤمنين، ويجليها لبصائرهم، ثم يشير إلى ما نجم عن ذلك كله من ثمرات ونتائج حاسمة، تراه يوجه إلى ما ينبغي أن يكون عليه أمر مستقبلها، منبهًا إلى وجوب تفادي أسباب الانحراف الذي يورث الشقاء الدنيوي، فضلًا عما يؤول إليه مصيرها في الآخرة، أقول: إن القرآن الكريم، إذ يسير في أسلوبه البياني على هذا المنهج من الربط والتوجيه، فإنما يقصد بذلك إلى إيقاظ العقل، ليقوم بدوره في التفكير والبحث والتأمل في تلك الوقائع والأحداث، للوقوف على ما يسلكها من نواميس هذا الوجود، لاستخلاص المغزى العميق الذي يكمن وراءها، وهو ما يطلق عليه القرآن الكريم، كلمة"العبرة"التي هي على غاية من الخطر والأهمية، نتناولها فيما يلي بإيجاز:
الأول: إثارة قدرات الإنسان، وملكاته، لإدراك وجوه النشاط البشري، ودوره وتأثيره في هذا الوجود، والنتائج الحتمية التي تمثلت على مسرح الحياة بحيث تُرى بالعين المجردة، لأنها واقعة تحت الحس، بل إن القوم قد خاضوا غمارها، بأنفسهم، ربطًا للماضي الموغل في القدم، بالحاضر الشاهد، كأنه يقول لهم: إن كنتم لم تشهدوا وقائع التاريخ السحيق الذي أستحضره لكم، وأقص وقائعه عليكم، فعليكم أن تفكروا في الواقع الماثل أمامكم، وعلى مرمى من أبصاركم، لتوقنوا بصدق المبدأ الذي تجنون ثماره اليوم بأيديكم، فإن في هذا لعبرة لكل ذي بصر، فضلًا عن ذي البصيرة، يقول سبحانه عقب بيان حال الأقدمين، في هذا الشأن قولًا يصف لنا الآية الكبرى المستخلصة من غزوة بدر: (لقد كان لكم آية في فئتين التقتا، فئة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة، يرونهم مثليهم، رأي العين، والله يؤيد بنصره من يشاء، إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (( 64) .