فهرس الكتاب
هذا، وقوله تعالى: (إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار( أي من اليسير استخلاص العبرة، ولا تفتقر إلى طول تأمل، وتفكير، لأنها بادية للعيان، مما يدل- بالمفهوم المخالف- على أن الذي يتغافل عن ذلك، فليس من ذوي الأبصار، بل هو في عماية أو ضلالة، يتعثر بها، أو يشقى في هذا الوجود، مصداقًا لقوله سبحانه: (ومن أعرض عن ذكري، فإن له عيشة ضنكًا، ونحشره يوم القيامة أعمى. قال رب لِم حشرتني أعمى، وقد كنت بصيرًا، قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تُنسى (( 65) .
وفي هذه الآية الكريمة- كما ترى- إشارة إلى أن نسيان الآيات- في شرعه وكونه وسُننه الثابتة- سبحانه- وما تنطوي عليه من تشريع آمر، وتوجيه، وعبر مستخلصة من وقائع التاريخ- قديمه وحاضره- ومآلاتها التي استلزمها جريان سنن الله تعالى عليها، أقول: إن نسيان ذلك، والتغافل عنه، عماية فكرية وعقلية ونفسية تستلزم عماية أخروية، إذ الجزاء من جنس العمل: (قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا؟. قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى (( 66) أي تُلقى وتطرح في مصير محتوم!
هذا، والواقع أن ما عبر عنه القرآن من التغافل أو الإعراض عن آيات الله بإطلاق شرعًا، وتوجيهًا، وهداية، وسننًا كونية، عبَّر عن التغافل عن كل أولئك بالنسيان، إنما هو- في ضوء المفاهيم القرآنية- نسيان للذات الإنسانية نفسها، لفقدانها الوعي الكامل المستبصر لكيانها، وشخصيتها المعنوية، يؤكد هذا المعنى قوله عز وجل: (نسوا الله فنسيهم (( 67) .